مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ١٥٨مناجزة الإلحاد
أي أثر ديني من الفلسفة الحديثة، فاليقينيَّات الميتافيزيقية عن الله أصبحت زائفةً ومفتقرةً إلى
أساس متين للإثبات!
ثنائيَّاتٌ فلسفيَّةٌ مُتوهمة!!
لقد فتح باب الصدام الثنائي بين الإيمان والعقل منذ التَّحولات الفلسفية العقلانية التي شهدتها اليونان قديمًا، وامتد تأثير ذلك إلى أوروبا، وبدأت تباشير الهدوء والاستقرار تلوح في الأفق إبان ظهور توما الإكويني وسعيه نحو تشييد منهجيّةٍ مثالية تجمع بين العقل والإيمان وتخلو من تصدعات الصدام، فتبنّى اللَّاهوتُ الكنسي في القرن الثالث عشر ضرورة تفعيل هذه المنهجية وتطويعها لخدمته، فتقلص بذلك الاحتدام الحاد بين العقل والإيمان، وانعقد التصالح والإخاء بينهما إلى حين ظهور المستجدات العلميَّة الجديدة في القرنين السادس عشر والسابع عشر، فتكرّر انقضاضُ الصدام على التصالح، وعادت مياه الشقاق والتنافر إلى مجاريها بعد مما جعل التّضحية بأحد الطرفين لمصلحة طرفٍ ضربة لازب، فكان أنْ جُعِلَ الدين يبس، أضحيةً يُسفحُ دمُها قربانًا لغُرور العقل و جنوحه وجموجه، وسار العلماء وصناع القرار فيما بعد على دروب كالحة يُنعِص مساربَها الفصامُ النكد بين العقل والدين!
إنَّ هذه الثنائيَّات فى الحقيقة متمايزة ومنفصلة والجميع يُقر بذلك، إلا أنَّ هذا التمايز ليس صدامًا ولا استقطابا، بل هو تمايز نوعي عائد إلى اختلاف في الطبيعة الكينونية لكل قُطب من أقطابها، واختلاف طبائع الأشياء وتمايزها عن بعض لا يلزم منه التصادم والنزاع، فافتراض التصادم والنزاع مجرَّد تؤهم ارتدى رداء المنطق؛ فأوجد ضرورةً تلازميَّةً تُفضي إلى الصدام بين الأمرين
ومن
المتمايزين، ويبدو أن ديكارت قد أخفق حقًا في توضيح نوعية العلاقة بين هذه الثنائيات. هذا المنطلق الغالط في نوعيَّة العلاقة بين هذه التنائيَّات نتجت ثُنائيَّةٌ أخرى تمَّت تغذيتها بالصدام المفترض، إنَّها ثُنائيَّة الحلول أو التَّسامي المطلق، فالإله إما أن يكون متساميًا ومتعاليا على الإطلاق، وإما أن يكون حالا ومنصهرًا في الطَّبيعة، وكلا الأمرين يمهدان لمسارات إلحادية يتم رصفها وتعبيدها ومن ثمَّ السَّير عليها لاحقًا، فمؤدَّى هذا النوع من المنطق هو أنَّ الرب المتسامي والمتعالي لا لزوم له، فوجوده كعدمه؛ إذ ليس له من الأمر شيء ولا تدخُلَ له في الحياة وشؤونها. والربُّ المتَّحد بالطَّبيعة هو ربُّ مادي يجب تصوره وفق الأحوال التي يقررها واقع الطبيعة المتقلّب، وهذان المسلكان يؤديان إلى العلمنة المطلقة، والعلمنة ذاتها
158