مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ١٥٩المبحث الثالث: أطوار تخلقِ الإلحاد في أوروبا
ستوجّه أصحاب فكرة التسامي - تدريجيا - إلى الإلحاد الصريح، وستوجّه أصحاب فكرة الحلول إلى الوجوديَّة، والعدمية، وتبادل الأدوار وارد كذلك!
لن يُغني الاتفاق العلمي التجريبي بين الأقران شيئًا عندما تدخل الفلسفة في المعمعة! فمثلا: التفسيرات الفلسفية لعالم الفلك الإنجليزي جيمس جينز مثالية أفلاطونية، بينما هي مثالية ذاتيَّةٌ عند عالم الفلك الإنجليزي آرثر أدنجتون، ونقديَّة كانتية عند ألبرت انيشتاين، ومادية ديالكتيكية عند برنال، على الرغم من أنَّهم جميعًا حصدوا جائزة نوبل في فروع العلوم الطبيعية المختلفة)، وفيهم المتدين والملحد ولا نستطيع - إلا في حدود معينة - أن نرفض العلم الذي أطبقوا عليه ببرهان من اللحظ والتَّجريب، بينما نملك خيارات لا حصر لها من الرفض أو القبول أو التعديل أو الإضافة فيما يخص تفسيراتهم الفلسفية التي بنوها على ما
توصلوا إليه علميًّا.
لقد أدَّت الفلسفة الدينية في العصر الأوروبي الوسيط إلى خلق هذه العلاقات الواهمة بين الثنائيات المتمايزة، فتم إشباع الجانب الرُّوحي وهُضم حقٌّ الجانب الجسدي، وسُلط الضوء على الإيمان فغطّى الظلام العقل، وقُدِمَ الدينُ على جميع المآدب ولم يترك للعلم إلا الفتات، فعاش الفكر الأوروبي هذا الواقع المفروض عليه، وما إن سنحت الفرصة لتغيير الواقع حتّى فرضت الأضداد نفسها بقوَّة، ولم يكن للتَّوازن والاعتدال أي حظ في التعامل مع الواقع الجديد. لم يكن هنالك بديل حقيقي يقوم مقام الإله عند من قرَّر الاستغناء عنه، وهذا المجال لا يمكن أن يكون شاغرًا، فلم يجد نيتشه سوى الإنسان ذاته ليكون إلها)، ومع توفر هذا البديل دقت نواقيس موت الإله، فالإله الذي مرَّ عبر تاريخ الفكر الأوروبي بمنعرجاتٍ خطيرة - أهمها اكتشاف التفسيرات الطَّبيعية للظواهر الكونية - أن له أن يُشيَّع ويُقبَر بعد أن أصبح كلُّ ما كان يُسند إليه يُسند إلى غيره، فما عاد التّسامي ناجحًا ولا الحلول ناجعا، وعلى الإنسان أن يكون قويا معتمدًا على نفسه فقط! وهذا يؤكد أنَّ الفلسفة الإلهية الأوروبية في تلك الفترة الحرجة لم تكن عند حُسن الظَّن، فقد كانت مملوءة بالتخاريف والسَّفاسف.
1 - يُراجع صلاح، قنصوه الدين والفكر والسياسة، ص 117. 2 - لم يبتدع نيتشه تأليه الإنسان بشكل مطلق، فالكنيسة كانت لها مفاهيم مغلوطةٌ عن الله، فهي من أعطت صورةً بشريَّةً عنه، ومن الطَّبيعي أنَّ العقل الناضج والواعي سوف يتّضح له - بعد أن عاش على مثل هذه المفاهيم المغلوطة - مدى تضارب هذه المفاهيم مع المعايير العلميَّة الصَّحيحة والعقليَّة الرَّاجحة، وربَّما تكون ردة فعله التصحيح والإصلاح أو الإنكار المباشر للمفهوم وما حواه!!
159