مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ١٦٠

مناجزة الإلحاد

إنَّ إشكالية العلاقات التصادمية بين الثنائيات التي تم تصورها على أساس من التضاد أو التناقض فرضت نفسها بقوة كجدلية ومتلازمة، فلك أن تكون في تلك الضفة أو في الضفة المقابلة لها ولا جسر يربط بينهما!! إما أن تُنكر وجود الله وإما أن تعترف بوجوده الذي لا تأثير له! فالطور الفلسفي الحديث ابتدأ بالمادية البيكونيَّة، ثم سار على خطى العقلانية الديكارتية، ثمَّ العلمانية الإسبنوزيَّة، ثمَّ السَّفسطة الهيومية، وكحصيلة لهذه التراكمات الفلسفية جاء الإلحاد والعدمية وما دار في فلكهما.

لقد فرضت العصور الأوروبية الوسطى نفسها بقوَّةٍ في عصر النهضة والحداثة، فما زالت تأثيراتها مترسبةً في الفكر الأوروبي ومتحكمةً ببعض خيوطه، ولم يفلح الفكر الأوروبي في استئصال الفكر الوسيط من جذوره، فالنزاع الذي عم أوروبا في نهايات العصر الوسيط بين العلم والدين والدين والدولة، والرُّوح والجسد، ما انفك ارتباطه عن المخيلة الأوروبية، والحقيقة المرَّة هي أنَّ أوروبا واصلت تقدُّمها الحضاري مرتكزةً على تلك النزاعات. ويمكن بالإجمال صياغة عدة عوامل رئيسة جنحت بالفلسفة الأوروبية إلى الشَّكِ الغامر، وكلها تعود في جذورها إلى نظرية المعرفة - ابتداءً بمصادرها وانتهاءً إلى أدواتها وقيمتها - وذلك على النحو الآتي: - الحط من قيمة الحس ومدى كاشفيته عن الواقع الموضوعي. - الحطّ من قيمة المعرفة عقب انتشار فلسفة النسبية المعرفية). - الاختزال المعرفي في الماديَّات فقط، وتفسير المعرفة تفسيرًا ماديًا. - قصور المفاهيم الفلسفية، وضعف التأسيس الفلسفي.

1 - يُنظر: جعفر السبحاني، نظرية المعرفة، ص (129 - 130).

160