مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ١٦١

المبحث الثالث: أطوار تخلقِ الإلحاد في أوروبا

ثالثًا: الطَّورُ الثَّقَافِيُّ والاجتماعي

يعترف المؤرخون بوجود عدة عوامل قادت عجلةَ التَّقدُّم إلى الأمام بوتيرة أسرع من غيرها، وكان الاستكشاف الجغرافي من بينها، فقد اتَّسع أُفقه وسطع نجمه فشكل علامةً فارقةً في جبين التاريخ الأوروبي ترتبت عليها نتائج مذهلة ليس أقلها اكتشاف القارة الأمريكية). أسهمت هذه الاكتشافات الجغرافية في صُنع العديد من التَّطورات على الأصعدة المختلفة، وما يهمنا هنا هو الصعيد الثقافي والاجتماعي، فالتلاقح الذي حدث بين الثقافات المختلفة أسفر عن تقدم بعض العلوم التي كانت في آخر الرّكب كعلم الاجتماع وعلم وصف الشعوب (الإثنوغرافيا)؛ مما وسع المدارك وهيَّأها لاستقبال جديد الأفكار، فبعد أن كانت الموروثات التقليدية هي القبلة الثقافيَّة الوحيدة أخذت يدُ هذه الأفكار المكتسبة حديثًا معاول هلهلة تلك الموروثات، ومن ثم تنحيتها جانبًا، وأضحى الاستقلال الفكري سمةً بارزةً تكفلت بمساءلة الموروث ونقده وتقليبه ظهرًا لبطن، فالعالم المكتشف شاسع متنوع لافت للأنظار، فهل هو حقًّا عالم يسير وفق منهجية فكريَّةٍ عمياء؟!

لم يجد النَّاسُ إِجابةً شافية عن كل تلك التساؤلات التي ساورتهم، وأخذت ملامح فكرة ما يُسمى بـ (الأنتيبود/ Antipode) تغازل تفكيرهم؛ تلك الفكرةُ التي لاقت سابقا في العالمين اليوناني والروماني مؤيدين ومنكرين - كان شيشرون من مؤيديها وكان إبيقور وبلوتارك من منكريها - وعلى هذا تنقلت هذه الفكرةُ في منازل الزَّمان حتَّى وصلت إلى الكنيسة الأولى محتاجةً إلى حل يبلغ بها معارج اليقين ويبدو أنَّ موقف أوغسطين الرافض لفكرة وجود أناس آخرين على الطرف الآخر من العالم قد ضاعف من تشبث اللاهوتيين بهذا الاعتقاد، لكن قد حان موعد

1 - في الثقافة الأوروبية العامة يُزعم بأنَّ كريستوفر كولمبوس هو أوَّلُ رجل اكتشف قارة أمريكا، ونُحيل القارئ العزيز إلى الاطلاع علي کتاب هاينکه زودهوف بعنوان: (معذرةً كولومبوس لست أوّل من اكتشف أمريكا). وهناك الكثير من الدلائل التي تدلُّ على أنَّ العرب سبقوا كولومبوس بقرون، بل إنَّ كولومبوس أشار في مذكراته إلى أنه شاهد الناس يتحلقون هنالك حول رجل يُقال له: (أبو عبدالله)!!

2 - يُقصد بها البشر الذين يقطنون في الجهات المقابلة والمختلفة من الأرض.

161