مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ١٦٢

مناجزة الإلحاد

التكوص والارتداد عنه مع بزوغ فجر الاستكشافات فخسر اللاهوت الرهان وبدا للنَّاس أنَّ

الصدام بين الكشوفات الجديدة والدين سيميل إلى كفَّة الأولى دائمًا وفي كل الأحوال. ثمَّ أسهمت محاكم التفتيش في نشر ثقافة الاضطهاد، وما من مطَّلع على التاريخ الأوروبي إلا ويُدرِك هَوْلَ ما قامت به هذه المحاكم في حق كل من يُحال إليها، مهما كان اسمه أو دينه أو خطه الفكرى ما دام معدودًا فى قائمة المخالفين، المارقين، فقد مارس القائمون على هذه المحاكم من صنوف الإجرام ما لا سبيل إلى توصيفه من أنواع الحرق والتمثيل وجدع الأنوف وسمل العيون وقطع الألسن، بل ونبش القبور من أجل استخراج الموتى وتقطيع أجسادهم! وقد لاقى النَّاس من هذه المحاكم الألاقي مما تشيب له رؤوس الولدان!

وفي هذا الغمار البائس فإنَّ كبار رجال الدين الكنسي قد وجدوا ما يُبرّرون به همجية محاكم التفتيش! فنشأ الاستبداد الديني ككرة الثَّلج المتدحرجة من قَنَنٍ عالٍ، تبدأ صغيرةً كقبضة اليد وتنتهي ككرة ضخمةٍ عملاقة! يبتدئ هذا الاستبداد من المتصدرين للقول فيه وينتهي إلى رجل الشارع والعامي الغرير بل قد يصل هذا الاستبدادُ إلى مستوياتٍ عُليا من الخطورة تصل فيها قيادات الاستبداد الديني أنفسها إلى احتراب أحمر ومعارك دامية حامية الوطيس، كما حدث في الانشقاق المعروف بين رجال الدين في روما مما أدى إلى فقدان البابوية هيبتها واهتزاز ثقة المسيحيين بها، وقد أوصل هذا الاستبداد بعض كبار رجال الكهنوت إلى وضع مزرٍ من تكالب على الإثراء وجمع لحطام الدنيا وبعد تامّ عن حياة الزهد والتقشف والانهماك بحياة البذخ والترف والملذات، بل والانغماس في حمأة الفسوق والمجون والرذيلة، وكل هذا يتم - زورًا وبهتانا - باسم الإله، ويبلغ الأمر منتهاه عندما يصل هؤلاء إلى سدة السياسة، عندها لك أن تتصور ما قد يحدث من شتى أنواع التَّآمر والغدر والاغتيالات وشن الحروب الجائرة الظالمة من أجل أغراض دنيوية صرفة وحظوظ عاجلةٍ مُوَشَّاةٍ بِشيَةِ الدين، ملفّعة بجلباب القداسة! وقد بلغت مساوئ رجال الكهنوت حدا بالغا الغاية في الفظاعة، فقامت الحروب الطاحنة في القرنين

السادس عشر والسابع عشر، وقامت الثَّورة الدينية التي انقسم على أثرها المجتمع المسيحي. وقد رفَدَ هذا الاستبدادَ البغيض روافدُ متعدّدة شكلت الصُّورة الكلية له، ومن بين هذه الروافد مهزلة صكوك الغفران وتحريم زواج رجال الدين والراهبات، وتشريع الرهبنة

162