مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ١٦٣

المبحث الثالث: أطوار تخلقِ الإلحاد في أوروبا

والدعوة إليها، واحتكار تفسير الإنجيل للبابا، وحده وهو ما مهد لقيام حركة مارتن لوثر وصدام اللوثريين بالبابويه موضحًا أنَّ الله وحده هو من يغفر الذنوب، وأنَّ القانون الذي يجب الاعتماد عليه في تفسير جميع المسائل الدينية هو الكتاب المقدس وحده بعيدا عن ضغط أقوال البابوات وتحكماتهم.

لذا كانت مقاومة مثل هذا الوضع الكالح مطلبًا مُلِحًا، فثار النَّاسُ وكَتَب المفكرون والنقاد، وعمت النقمة والسخط الجموع الثَّائرة، وشكَّل هذا الاستبداد الكهنوتي المتجلبب بجلباب الطَّهر والنقاء وقيم الوحي السماوي بدايةً لنقمة شاملة طالت الدين من حيث أصل وضعه، بل شملت فكرة الوجود الإلهي وانبثق عنها الإلحاد والملحدون وحركاتهم المتعددة! وعليه؛ فإنَّ الاستبداد بأشكاله المختلفة يُمثل بيئةً خصبةً ودافعًا محفزًا لرفض الواقع المعاش وابتداع واقع مغاير له سياسيا واقتصاديًا ودينيا.

لقد أسجلت حركات الإصلاح الديني الزيت على النار، ودقت المسامير الأخيرة في نعش المنظومة الكنسية المتسلطة، فقد كان القرن الحادي عشر شاهدًا على انفصال الكنيسة الشَّرقيَّة الأرثوذكسية، لكنَّ هذا الانفصال لم يكن في المستوى نفسه من حيث النتائج المترتبة عليه مقارنةً بالإصلاح الديني الذي أخذ طابع الثَّورية بقيادة مارتن لوثر، وكذا انفصال

من

هنري الثامن

الكنيسة في إنجلترا واستقلالها عن السلطة الباباوية بعد ظهور ما يُعرف بـ (مصلحي أكسفورد) الذين اكتشفوا مثالب الكنيسة وعوارها وطالبوا بالإصلاح، بل ومما زاد حدة التأزم بين الكنيسة والدولة هو ذاك الخلافُ الذي أطل برأسه على إنجلترا بين الملك هنري الثامن (Henry VIII)) وبابا الكنيسة على هامش قضيَّة الطلاق الذي لم يكن مسموحًا به إلا بإذن البابا، والذي بدوره رفض تنفيذ رغبة الملك في ذلك، فحذا الملك. الثَّامن حذو الأمراء الألمان الذين نبذوا سُلطة الكنيسة في روما، واتخذ قرار الانفصال. كذلك تهاوت مكانة الكنيسة الكاثوليكية الرومانية بعد أن قصم ظهرها انتشارُ الفكر البروتستانتي المناوئ لها

هنري

1 - يُنظر: تاريخ أوروبا، شوقي الجمل، وعبدالله عبدالرزاق، ص (43 - 51)، وجفري براون، تاريخ أوروبا الحديث، ص (184 - 119)، وعبدالعزيز نوار ومحمود محمد، الدين التاريخ الأوروبي الحديث، ص (117 - 118)، وغوستاف لوبون، روح الثورات، ص (32 - 37). 2 - هنري الثَّامن (1491 - 1547 م) ملك إنجلترا، بل وأقوى ملوكها؛ إذ عمل على حل ملكيَّات الأديرة، ووحد إنجلترا وويلز، وقد نوه بأنَّ قضيَّة الطلاق ليست السبب الأوحد في اتخاذه قرار الانفصال عن الكنيسة. (ينظر: الموسوعة العربية العالمية).

163