مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ١٦٤مناجزة الإلحاد
بزعامة مارتن لوثر ثمَّ تلاحقت حركات الإصلاح حركة تلو حركة فغطت الأنحاء الأوروبية). حقا لقد دقت حركات الإصلاح الديني كفَّ الكنيسة بمطرقة عزمها وكفاحها حتى تراحت معاقدُ أصابعها المُتسلطة، وأصبح النقد الديني متحررًا من القيود والأغلال، فتفتقت وجهات النظر
المختلفة والمعارضة من كل الجهات، ولم يكن للأمر من خطامٍ ولا لجام، فأضحى الحالُ إفراط وتفريط! وإنَّه مما شكل منعرجا خطيرًا في التَّحول الإصلاحي هو ذلك العجز الثام عن مواجهة مِحَنِ الوجود البشري، فالإصلاحيون كمارتن لوثر وجان كالفن لم يُسهموا بشيء في ذلك؛ مما جعل جميع الإصلاحيين من بعدهم يؤكدون سُلطة الله العليا المهيمنة غير المشروطة؛ أي إنَّ البشر عاجزون جوهريا وليس في وسعهم تغيير الأوضاع فحينما حلَّ الطاعون وقضى على (25 ?) من سكان زيورخ رُفعت راية الاستسلام وكأنَّ التَّواكل هو المراد الإلهي!
إنَّ الإصلاح الديني لم يكن ثورةً ضد الدين وإنَّما ثورة ضد رجاله - إذ كان كثير من الدافعين له والداعين إليه رجال دين - وقد ردَّت ثورة الإصلاح هذه لضمير الفرد حقه في مواجهة ما لا يرتضيه من عقائد كنسية قيدته طوال قرون مديدة، وأذاقته من علقم الظلم وحنقل الطغيان، فبدأها لوثر بعد أن علق زهاء (95) احتجاجًا على باب كاتدرائية ويتمبرج) في عام (1517 م)، وتوالت الثورات على الملوك وسلطاتهم الكنسية التي كانت تأمر الناس بطاعة هؤلاء الملوك بناءً على تعاليم الكتاب المقدس! فقامت الثورة الفرنسيَّة (1789 م)، تلتها الثورة الإسبانية (1823 م) ثمَّ الثَّورة البولندية (1830 م)، وبعدها الثَّورة الإيطالية (1848 م) التي تزامنت مع الثَّورة الألمانية، وقد نتج عنها جميعًا استفاقة نزعة الشَّك من سُباتها بشكل هستيري ومُقلق، وميل النَّاس إلى استقباح الدين والعقيدة والكتاب المقدَّس والرَّب بعد أن راح ضحية الإصلاح الديني عشراتُ الألوف من الأبرياء، وكان من بقي على وئام مع الدين على الطرف الآخر يُسارع إلى تجديد المنهج الذي يُمايز بين العقل والإيمان (2)، فلا سبيل للعقل إلا من معرفة تنتمي إلى عالمه الطبيعي، ولما كان الكتاب المقدَّس يأمر هؤلاء النَّاس بطاعة الملوك الظالمين فإنَّ أجواء الثورة هيأت الاصطدام مع الدين وكتابه المقدس، فلا بُدَّ من نقدهما وبيان ما فيهما من مثالب بها وُضعت الشُّعوب على السَّفود، وذاقت الويلات والمرائر.
1 - لمزيد تفصيل؛ يُنظر: كوينتن سكنر، أسس الفكر السياسي الحديث، 2/ 39 - 42).
2 - وردة الفعل ذاتها حدثت بعد سقوط القسطنطينية على يد محمد) الفاتح، فقد شكل سقوطها دافعًا قويًّا أَلَّب مشاعر النَّاس ضدَّ
الدين الضعيف الذي لم يحمهم!!
164