مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ١٦٥

التي

المبحث الثالث: أطوار تخلقِ الإلحاد في أوروبا

ما من شكّ بأنَّ التَّقدَّمَ العلمي واللُّغويَّ أدَّى إلى اكتشاف عمليات التحريف والتبديل لحقت بمتون الأناجيل، وفي الآن ذاته نجد أنَّ الإصلاحيين قد تشدَّدوا في مرجعيتهم إلى كتابهم المقدَّس لمعرفة الكون وأسرار خلق الله، وهُم بهذه الطريقة المزدوجة جعلوا العقل متوترًا مشدودًا مشدوها، فالعلوم تجلت عن أمور لا تتطابق مع حرفية الكتاب المقدس، ولا بد من الحفاظ على الدين والعلم بحيث لا يترك أحدهما لصالح بقاء الآخر، فالمقايضة صعبةً ومكلفة، إلا أنَّ العلم - مع ذلك - ربح الرهان لاحقًا، وهنا علينا أن ننتبه - كذلك - إلى مبادرة الإصلاحيين بنقل السلطة من الكنيسة إلى الدولة وما أدت إليه من ترسيخ مبادئ العلمانية، وهذا عامل مهم يجب أن لا تُعْفِلَه.

ثمَّ تلقَّفَ مشعل الحركة الإنسانيَّة العارمة التي انبثقت من إيطاليا عدد من كبار العلماء والأدباء والمفكرين في كثير من الدول الأوروبية، من أمثال رابليه (Rabelais) في فرنسا الذي ألف كتابين هاجم فيهما الرهبان وعلماء اللاهوت وكتابًا ثالثًا مجدَّ فيه سلطان العقل ومنهج الشك، وكتابًا رابعًا ندد فيه بالمؤسسات الدينية والسلطة الباباوية، كما أقدم العالم الهولندي إرازموس (Erasmus) (2) على تبيين مثالب الرهبنة ومقابحها، وأدار هجومًا ساخرًا على مفاسد الكنيسة الرومانية، وحتَّ على تحرير العقول من الخزعبلات والجهالات. وبعد أن عاشت أوروبا فترةً يُمكن تسميتها بالأميَّة الجامعية - إذ سادتها نظرة ثقافية واحدة تنهل

رابليه

من معين واحد، فعلى اختلاف المناطق الأوروبية وتباينها فإنَّها كانت تنطق بلغةٍ واحدةٍ هي اللاتينية؛ ولذا فإنَّ الطلاب الذي يتنقلون من إراز موس مكان لآخر لا يشعرون بالاغتراب - جاءت هذه الحركة الإنسانية لتدق ناقوس الخطر على الفكر الديني التَّقليدي؛ لأنَّها حركة تدعو إلى دراسة الموروثات دراسةً نقديَّةً مباشرة، نتج عنها تحول في المراكز، وأصبح الاهتمام منصبا على الإنسان دون الإله،

1 - فرانسو رابليه (1494 - 1553 م) كاتب وروائي وأحد أعلام الحركة الإنسانية في فرنسا. ينظر: الموسوعة العربية العالمية). - إرازموس ديزيدريوس (1469 - 1536 م) مصلح ديني هولندي، وجد أخطاء في نسخة الإنجيل المتداولة، فنشر النسخة الإغريقية الأصلية، وكان من رأيه أن يأخذ النَّاسُ بجوهر الدين لا بظواهره، وقد عارضه مارتن لوثر. (يُنظر: الموسوعة العربية الميسرة، 1/ 213).

170