مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ١٦٦

مناجزة الإلحاد

لوارينزو فالا

وقد دشن الإيطالي لورينزو فالا (Valla) منهج دراسة النظم الدينية دراسة انتقادية، وبغض النظر عن الباعث على ذلك فإنَّ النَّزعة الإنسانية أدت إلى زعزعة الفكر الديني؛ لأنَّ النَّقد بطبيعته يمرُّ عبر بوابة التشكيك المنهجي، ويستند إلى الحرية الفكرية والتي كانت مُفصَّلةً على المقاسات اللاهوتية فقط. تشكلت إذن؛ الثَّقافةُ الأوروبية على أنقاض التَّمرُّدِ على الكنيسة والمرجعيات التقليدية بالرغم من أنَّها خرجت من رحمها وتشبثت بخيوط ماضيها، إنَّها ثقافةٌ طفيليَّةٌ بشأن طبيعة الكون، مطمئنة بأحكامها الخاصة، مشكّكة في الأصول الدينية ومتمردة عليها، متبجحة بقدرتها على الطبيعة والتَّحكُم فيها، وبالإجمال هي أقل تعويلًا على افتراض وجود

فهم

الإله؛ لأنها ترى في العِلم التَّجريبي وحده الملاذ والخلاص! لقد أصبحت دنيس ديدرو زاوية الميل إلى ثقافة الشك والمادية عند مفكري التنوير أكثر حدة، فقد سلط الفيلسوف الفرنسي دنيس ديدرو (Denis Diderot)(2) - رئيس

تحرير الموسوعة الفرنسية - الضوء على التَّحوُّلِ التَّدريجي للتأمل الإنساني من الإيمان إلى الربوبية، ومنها إلى الشَّك ثمَّ الماديَّة الصَّبابيَّة. وقد أدَّت هذه الثقافة التي تُوصَف بالتنويرية والعقلانية الصاعدة إلى دق طبول موت الدين التقليدي، فالرَّب من صنع الإنسان واختراعاته، والحاجة إليه قد تضاءلت مع الإنسان الحديث ونضوجه العلمي، ويقرر ديدرو بأنَّ المعرفة العلمية الطبيعية هي المعيار الأوحد للمعرفة الصَّحيحة؛ وبالتّالي ستصبح فكرة (الإله) عقيمة الجدوى؛ لأنَّها لا تخضع لهذا المعيار، وعليه؛ فيجب تنحيتها كليا من ميادين المعرفة (3). لقد جاءت الصيغة الختامية للثقافة الأوروبية الحديثة بنكهة ربوبية معادية للاهوت، وبثوب مطرز بالشك والتَّمرُّد، وبصيغة تجريبيَّة (لا أدريَّة)، وحتميَّةٍ ماديَّة، وصوفية طبيعية عاطفية، فقد سادَ أوروبا المنهج الربوبي في القرن الثَّامن عشر، ولا يخفى على الحصيف أنَّ الربوبية خطوة إلى الأمام في مساقات الإلحاد، فهي لا ترى في الإله سوى التّسامي المطلق والتقاعدِ والانطواء بعد عملية الخلق، وهذه الرُّؤية تقود تلقائيًّا إلى التخلي عن مثل هذا الإله، ثمَّ إنكار وجوده في

1 - كاتب وأديب إيطالي (1407 - 1457 م) كان كتابه عن اللغة اللاتينية أشهر أعماله؛ فقد طبع أكثر من ستين مرة في أعوام يسيرة. 2 - دنيس ديدرو (1713 - 1784 م) من أهم فلاسفة ما يُسمى بعصر التنوير، تأثر بهوبز وإسبينوزا، واهتم بالتطورات العلمية التي شهدها عصره، وبنى عليها نظرته المادية في الحياة، فاعتمد مبدأ الشَّك كقاعدة في عمله. (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية). - يُنظر: جيمس كولينز، الله في الفلسفة الحديثة، ص (221 - 222).

177