مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ١٦٧المبحث الثالث: أطوار تخلقِ الإلحاد في أوروبا
مراحل لاحقة، ولما كانت الربوبيَّةُ مكتفيةً بالجانب النظري فقط غير آبهةٍ لطقوس أو شعائر دينيَّةٍ معينةٍ فإنَّ نهجها هذا سيؤول إلى فقدان الإيمان واضمحلاله؛ إذ يُؤكد علماء الاجتماع بأنَّ الإيمان لا تستمر دقات قلبه في حياة النَّاس بالجانب النظري وحده، بل يجب أن يترافق معه الجانب العملي التَّعبدي.
كانت الثقافة الدينية في أوروبا تدعو إلى الزهد المتطرف والتقشف الجنسي غير الصحي، هذه الثقافة تم اعتبارها بعد ذلك مرضًا نفسيَّا، فإصرار الكنيسة على نكران عضوية الإنسان الطبيعية وركيزته الوجودية أنتج ردَّة فعل ساخطةٍ ومُندّدةٍ بالتَّقاليد الدينية التي بدت وكأنها تُقيّد الإنسان بنحو غير صحي؛ لذا وجب دحرُها وإحلال الثقافة الطبيعية محلَّها كردة فعل مُجحفةٍ
وغير متزنة!
إنَّ العصور الوسطى كانت عهدًا لسيادة الإقطاع في شتى جوانب الحياة الاقتصادية والسياسية والفكرية، حيث بدأ - ولأسباب يطول ذكرها - مالكو الأراضي المتنفّذون بالتوسع على حساب الأراضي الفلاحية التي تدهورت أوضاع أصحابها بسبب الحروب والضرائب الضخمة؛ ليتحولوا عن أراضيهم تلك ويصبحوا - بعد ذلك - عُمَّالًا في أراضي الإقطاعيين، تلتها مرحلة أخرى ارتبط فيها الفلاح المغلوب على أمره بالأرض التي يعمل فيها ليتحوّل إلى قن (عبد)، وقد بلغ الإقطاع أوجه في القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين في أكثر دول أوروبا الغربية.
ومن جملة ما سَلَفَ يمكننا القول بأنَّ الإقطاعيين أصبحوا يُشكلون - بإقطاعياتهم - - دولًا صغيرةً داخلَ الدَّولة الكبيرة فكان السَّيد الإقطاعي يتمتَّع بالصَّلاحيات القضائية والسياسية، فهو يملك محاكمة الفلاحين العاملين في أرضه، ويملك حقَّ العفو عنهم أو إعدامهم، وهو بدوره تابع لإقطاعي أكبر في سلسلة متصلة حتّى تصل إلى الملك ذاته الإقطاعي الأكبر) وهذا الوضع المقرف كان سائدا في ممتلكات الكنيسة أيضًا، فقد كانت الكنيسة تمتلك مساحاتٍ شاسعة من الأراضي الإقطاعية).
كل هذا الجور الاقتصادي الممتزج بالفساد الكهنوتي والاستبداد السياسي كان الشرارة المفجرة لموجات عارمة من الشخط والرغبة في الانعتاق إلى أُفق جديد يقطع الصلة بالماضي الأسود الكالح؛ ممَّا مهد لتصحيح اقتصادي وسياسي - أو هكذا بدا - وإبعاد الدين عن واقع
1 - يُنظر: جفري براون، تاريخ أوروبا الحديث، ص (123 - 129).
167