مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ١٦٩المبحث الثالث: أطوار تخلق الإلحاد في أوروبا
مكيافيلي
بناء الدولة عن كل ما له علاقة بالسَّماء، كذلك أنكر مكيافيلي تدخل الله في شؤون الحياة اليومية، وهذا ما مهد الطَّريقَ للعلمانية والتحرر من القبضة الفولاذية للكنيسة على النواحي الاجتماعية والسياسية. لقد حدثت تحولات جذريَّةٌ في أنظمة الحكم والسياسة والاقتصاد اتجهت جميعها إلى المادية والعلمانية والاشتراكية والرأسمالية والديمقراطية والليبرالية ونحوها، ويُمكن جمعها في بوتقة تراكمات التنوير وما تفتق عنها، وكلها أسهمت في تكوين الفكر الأوروبي الحديث والذي انتشر هو الآخر في معظم أصقاع العالم. وهنا ينبغي التنويه بالربط الشرطي الذي حصل بين الثَّورة الفرنسية والإلحاد؛ إذ إنَّ الرَّمزيَّة بين الأهداف السَّامية للثَّورة والتي تمثلت في الحريَّة والإخاء والمساواة من جهة، والتمرد على الكنيسة من جهة أخرى كان لها دور كبير في الربط بين هذه الأهداف السامية والإلحاد في الذهنية الأوروبيَّة، فأصبح الإلحاد مقترنا بها اقترانًا شرطيًّا في مُختلة الكثيرين من أبناء تلك الحقبة، لتتوارثه الأجيال من بعدهم!
(1)
وبعد ذلك انتفض الفكرُ الشيوعي في أوروبا على حساب الدين الكنسي وبتأييد من رجاله فقد عقدت الشيوعيَّةُ مؤتمرًا حضره قرابة (4000) كاهن مثلوا جميع المذاهب المسيحية، واختاروا ستالين (Stalin) رئيسا فخريا له، واتفقوا على أنَّ المسيحيّة والشيوعيَّة متوائمتان، وما لبث الأمرُ على حاله حتَّى أُقيمت محاسبات ثوريَّةٌ لتقديم الإله للمحاكمة وإطلاق رصاصة الموت عليه ومعه أُصدِر ضمنيا الحكم بالتخلص من الدين
والكهنة! فالخطة المحكمة التي دُبّرت بليل كانت تقتضي غلق جميع الكنائس بحلول عام (1935 م) وإخفاء كلمة (الإله) من اللغة وقواميسها، وقتل ألوف الكهنة والقساوسة. لقد نجحت الشيوعية في كسب الأصوات باتخاذ قرار القيام بالثَّورة، وشيئًا فشيئًا اتضحت معالم تلك الثورة، وأنَّها كانت موجهةً ضد الدين والإله بل إنَّ لينين Lenin)(2) قبل ذلك رأى أنَّ
ستالين
لينين
1 - اسمه الحقيقي جوزيف فيساريونوفيتش (1879) - 1953 م) وستالين لقب أطلقه عليه لينين، ومعناه بالروسية (الرجل الحديدي)، وستالين هو القائد الثاني للاتحاد السوفييتي السابق بعد لينين. (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
2 - فلاديمير لينين (1870 - 1924 م) قائد ثوري ومفكر روسي ماركسي، مؤسس الحزب الشيوعي الروسي (البلشفي)، وباني أوَّل دولة اشتراكية في العالم، ومطوّر النظرية الماركسية في عـ عصر الإمبريالية. يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
169