مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ١٧

ملحوظات استباقية

نفسه، فيُذكر - مثلاً - أنَّ القديس والعالم ألبير لوغران (1206 - 1280 م) قد زعم - قبل فرانسيس بيكون - بأنَّ التجريب وحده الذي يُوصل إلى الحقيقة).

(12) - إنَّ الاستدلالات بالعلم التَّجريبي وكشوفاته الحديثة في قضايا الإيمان والإلحاد - كما في هذا الكتاب - هي في حقيقتها عودة إلى العقل والفلسفة في نهاية المطاف، فالحجج والاعتراضات في حقيقتها عقليَّة فلسفية وليست تجريبية، ولو كانت تجريبية لما كان هناك غيب ولا إيمان ولا إلحاد ولا اختلاف كبير جذري وهذا ما يعترف به الملاحدة الذين لا يعترفون إلا بالعلم التجريبي يعترفون به تطبيقا وإن أنكروه تنظيرا؛ فهم بتسورهم أسوار الحديث عن الأديان والإيمان ودخولهم في المماحكات العقلية والفلسفية يدخلون في دائرة الاستدلال العقلية والفلسفية!! وحديثنا هذا لا يعني يعني أن العلم التجريبي لا فائدة منه البتة في قضايا الإيمان، وإنَّما أردنا بيان أنَّ العلم التَّجريبي يُدعِم الحجج العقلية والمنطقية بشواهده؛ أي إِنَّ دوره ثانوي في قضايا الإيمان - كمقدمات للبراهين - وإلا فإنَّ النَّاس بعامتهم وفلاسفتهم وعباقرتهم مؤمنون من قبل أن يُولد العلمُ التَّجريبي، ولا يمكن لعاقل أن يقول بأنَّ إيمانهم كان مجرد تقليد أعمى دون برهان من العقل والمنطق!

(13) - أيها القارئ العزيز؛ ضع في حسبانك أنَّ فهم موقفنا - الذي سيأتي ضمن مباحث هذا الكتاب - من أثر الثورات في صناعة الإلحاد منوط بإدراك الحقائق التاريخية المتعلقة بأمارات المصاهرة بين الإلحاد والثَّورات، فقد تبدى الإلحاد بعد الثورة الفرنسية للعيان بشكل صارخ أكثر من ذي قبل - على الأقل في حيزه المكاني والزماني الواقع فيه - فساح السَّيلُ وانكسر السَّدُّ؛ فطم الطُّوفان وتقريرنا لهذا الأمر بكل وضوح لا يعني أنَّنا نقول في الثورات كما قال بعض الباحثين؛ حيث إنهم حملوها نصيبًا لا تحتمله في انتشار الإلحاد وذيوعه، نعم؛ قد تكون الثَّورات دافعًا مُظهرًا للإلحاد لكنها ليست سببًا في وجوده وتكوينه، وهي قد تكون دافعًا له في رقعةٍ معينةٍ في مدَّةٍ من التاريخ محدَّدة، وبالمثل قد لا تكون كذلك في رقعة أخرى وفي زمن آخر مختلف؛ ونزيد الأمر وضوحًا ونقول: كون الإلحاد شهد حالةً من الازدياد عقب الثَّورة الفرنسيَّة هذا لا يعني أنَّه أصبح لازمًا من لوازم كل ثورة، فالثورات تنطلق معبرةً عن روح المجتمع، ضاربةً بيد الجماعة الصَّلْداء في وجه غطرسة المستبدين، وفسادهم بعد انسداد 1 - يُنظر: جاكلين روس، مغامرة العقل الأوروبي، ص 91.

17