مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ١٨مناجزة الإلحاد
الأفق، واحلولاك المكان، وتسمم الأجواء، وانعدام أكسجين الأمل من أي مخرج عدا مخرج التّوران؛ لذا فلقيامها أسباب اجتماعية وسياسية واقتصاديَّة تُلقي بثقلها على كاهل المجتمع. ولقد أصاب غوستاف لوبون المحزّ عندما قال وهو يتحدَّثُ عن نتائج الثَّورات الدينية: "لم تكن الثورات الدينيَّة كلها سيئة مثل ثورة الإصلاح الديني - يعني به ثورة الإصلاح الديني في أوروبا - بل كان تأثير الكثير منها في تقويم الناس وتهذيب نفوسهم عظيمًا جدا. فهي بمنحها الشَّعبَ وَحدَةً أدبيَّةً تزيد قوته الماديَّةَ كثيرًا، وقد شُوهِد ذلك لمَّا حوّل محمد - بما جاء به من الإيمان - قبائل العرب الضعيفة إلى أمَّةٍ عزيزة). ونودُّ الإشارة - هنا - إلى أنَّ الموقف الناظر إلى الثَّورات بعين الريبة - فيما يخص علاقتها بذيوع الإلحاد وشيوعه - يجد موقفًا مغايرا له على طرف نقيض كما نجد ذلك جليًّا في كتاب الإسلام) بين الشرق والغرب) للمفكر البوسني علي عزت بيجوفيتش، ففي هذا الرأي نجد الإيمان سمةً من السمات المهمة في أي ثورة حقيقة؛ وما ذاك إلا لأنَّ التَّضحية والرغبة العارمة في بذل النفس والنفيس وتقديم المهج كلها مشاعر تنزع عن أصل ديني. وبعد الذي مرَّ فإنَّ رأينا في القضيَّة المثارة أعلاه هو التوسط؛ فاحتواء الثورات على بعض السمات التي يُحرّض عليها الدين لا يعني أنها أصبحت ثورةً تصطبغ بصبغة الدين أو أنَّها صارت قرينةً للدين؛ وبالمقابل لا يمكننا جعل كل ثورة سببًا في نشر الإلحاد ومعاداة القيم الدينية، وما حال الإلحاد مع الثورات إلا كحال ذاك القابع في بقعة ما أرخى عليها الظلام سدوله، وكر عليها السواد بخميسه اللجبِ العَرَمْرَم فأحاط بالقابع فيها إحاطة السوار بالمعصم حتى إذا سَلَّط عليها الضَّوء الكاشف بانت له حقيقة ما حوله، فإذا به يجد نفسه محاطًا بالشوك وحطام الزُّجاج المتناثر، وهنا - قطعًا - ليس من الحكمة أن يُنسب إلى الضوء سبب ما حوله وأنه نثر الشوك وملأ أرجاء المكان بالحطام! وهكذا حال الثّورة مع الإلحاد فهي كاشفة لأوضاع المجتمعات بما فيها من جمال أو قبح مستتر تحت ركام الأحوال المختلفة حتَّى إذا ما عمت الثورة تكشف الصبح لذي عينين؛ وذلك نظرًا لما تدعو إليه الثَّورات - عادةً - من تعزيز قيم
الحرية والأمان وكبح الاضطهاد والاستبداد.
1 - غوستاف لوبون، روح الثورات، ص 38.
18