مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ١٧٥المبحث الثالث: أطوار تخلق الإلحاد في ا
أوروبا
والحال ذاته لم يتغير في أدب المستحيل الذي ظهر بعد الحرب العالمية الثانية متأثرًا بفظائعها، ففلسفته ترتكز على الإلحادِ القانط، واعتقاد أنَّ الإنسان ميت مؤجل بحيث لا يهتم أحد بإنقاذه، فما فائدة الصراع والصَّلاة والدعاء والتأمل والإيمان؟! فالعالم الذي يتعذَّب فيه النَّاسُ هو عالم طاغ وغير مفهوم!
إِنَّ أي باحث في الأدب الحديث لا بُدَّ أن يرى بوضوح مؤثرات جديدة اقتادته إلى الحال الراهنة، وليس ضروريًا أن تكون هذه المؤثرات أدبيَّةً محضة، فما دام الأدب هو صورة الحياة فإنَّ كل التحولات التي طرأت على الحياة الأوروبية سوف يصحبها تحول مماثل في الفن والأدب، ويرى بعضُ النَّقاد الغربيين أنَّ هناك أربعةً من العلماء والمفكرين يعود إليهم الإسهام الفاعل في الاتجاهات الفنية والنقدية الحديثة وهم داروين، وماركس، وفريزر، وفرويد. والحق أنَّ لداروين وفرويد خصيصا أعظم الأثر في ذلك؛ فقد غرست الفلسفة الداروينية في النَّفسيَّة الأوروبية أمرين عميقين:
1 - التعبير عن حيوانيَّة الإنسان التي تُلغي مشاعره الرُّوحيَّة تماما. 2 - التعبير عن تفاهة الحياة وحقارتها ونفي أي غاية سامية لوجودها. وأما الفرويدية فقد عمَّقت الاتجاه الحيواني موصلة إياه إلى الحضيض، وصاغته في فلسفة نظريَّةٍ منمَّقة تجعل الوصال الجنسي هو الغاية والوسيلة، وهو محور الحياة وعِلَّة العِلل! حقًا إنَّ الحداثة لا تنتهي مغامراتها الأدبية حتَّى قيل في آخر تحليلاتها بأنها محاولة مستحيلة في البحث عن معنى
بعد أن فقدت الحياة معناها بغياب فكرة (الله))!! ولعل الأثر الأبلغ الذي جوستاف فلوبير مارسه الأدب في توجيه الفكر نحو الإلحاد تمثل في الأدب الواقعي؛ إذ
يقتصر في تصوير الحياة والتَّعبير عنها على عالم المادَّة، ويرفض عالم الغيب والوجود الماورائي كله، فـ (الواقعيَّة الطَّبيعيَّة) تأثرت بالفلسفات المادية، والإنسان في نظرها مجرد حيوان تلعب به مقادير غرائزه، وكلُّ شيء فيه يُمكن تحليله ماديًا فقط، وهذا ما نجده عند الأديب الفرنسي جوستاف فلوبير (Gustave Flaubert) (3) كاتب القصة الشهيرة المسماة بـ (مدام بوفاري). ثمَّ
1 - يُنظر: سفر الحوالي، العلمانية، ص (473 - 475). 2 - يُنظر: شكري محمد عياد المذاهب الأدبية والنقدية، ص 21.
3 - أديب فرنسي (1821 - 1880 م) من أشهر أعماله مدام بوفاري)، و التربية العاطفية). (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
175