مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ١٨٣

المبحث الثالث: أطوار تخلق الإلحاد في أوروبا

حضيض الإلحاد، وبعد أن قرّرت الكنيسة فصله نهائيا من وظيفة التدريس جراء انتقاداته اللاذعة هاهو يبدأ في كتابة بعض الورقات التي يعلن فيها إلحاده بكل صراحة؛ ليُصنّف كأوَّل شخص ملحد معروف بالاسم، ثمَّ لحقه راهب كاثوليكي فرنسي يُدعى جان ميسلير (Meslier)) ابتدأ بتوجيه الطعون إلى الأديان، ووصفها بأنَّها مجرد تلفيقات تدعمها الأنظمة جان ميسلير الحاكمة، ثمَّ انتهى به الحال إلى إنكار وجود الله؛ محتجا بانعدام التناسق المنطقي بين وجود الشرور والاعتقاد بوجود الله، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أنَّ الاعتقاد أساسًا للتقعيد الأخلاقي بخلاف الاعتقاد الشائع، وقد دون ميسلير في بيان إلحاده

الله

ليس

بوجود

عدة تدويناتٍ عُدَّتْ باكورة الإلحاد الموضوعي (إنكار وجود الله). ومع تفجر طاقات العقل الأوروبي في القرن الثَّامن عشر - على إثر المنعرجات الثورية الفلسفية والعلمية والاجتماعية وظهور شخصيات من الوزن التَّقيل كتشارلز داروين وفرويد وكارل ماركس ونيتشه - أخذت صورة الإلحاد بتلميع نفسها بنفسها، فهذه الشَّخصيَّاتُ المُلهِمةُ تُمارس حياتها العلمية والفلسفية والاجتماعية بمنأى عن فكرة وجود (الله)، فماركس مارَسَ حياته الاجتماعية ونظر لها باستقلال تام عن فكرة (الله)، ونيتشه بتغريداته الفلسفية أعلن موت (الإله)، وداروين بدا وكأنه قد تخلى في نظريته عن الحاجة إلى افتراض وجود الخالق)، وفرويد ابتعد بتحليلاته النَّفسيَّة عن فكرتي (الله) و (الدين) وسار الرَّكْبُ على خطاهم). ويرى جيمس كولينز بأنَّ القرن التاسع عشر هو القرن الذي شهد الولادة التكوينية الكاملة للإلحاد كمذهب يرمي إلى استبعاد الإله بشكل مطلق، ففي هذا القرن بالتحديد برز عدد من زعماء الفكر الذين أضفوا على الإلحاد نوعًا من التوقير الذهني والتداول الشعبي، وقد نجحوا في مسعاهم حين ربطوا بين الإلحاد والاتجاهات الرئيسة في الحياة العلميَّة والثَّقافية والأخلاقية، فأضحى الإلحاد مقوما من مقومات الاتجاه العلمي الإنساني في المجتمع الحديث (3). ولا شك أنَّ السَّاحة الأوروبية لم تشهد اختباءَ الدين عن الأنظار حتَّى مع تشكل الإلحاد

1 - كاهن وفيلسوف فرنسي (1664 - 1729 م) تُعتبر نصوص مذاكراته والتي نشرها فولتير مؤسسةً للإلحاد ولمكافحة رجال الدين في فرنسا. 2 - بطبيعة الحال وبحكم الاحتكاك المباشر وغير المباشر بين أوروبا والإمبراطورية العثمانية فقد تأثرت هذه الأخيرة بموجات الإلحاد، وقد سجل بعض المؤرخين حوادث من هذا التأثر في القرنين السابع عشر والثامن عشر، ويحكي بعضهم عن شخص يُدعى محمد أفندي أنه قد جاهر بإلحاده قائلًا: "لو كان الله موجودًا لما تركني أعمر طويلًا، فأنا أشد أعداء وجوده! 3 - يُنظر: جيمس كولينز، الله في الفلسفة الحديثة، ص 337.

183