مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ١٨٤

مناجزة الإلحاد

وبروز عضلاته، فقد استمر حال الدين والإلحاد بين شدّ وجذب يميل إلى كفة الدين في أغلب الأوقات، وتغيَّر الأمر بعد أن تعمَّقتْ الحداثة والعلمانية بإسنادٍ من النظم السياسية الحاكمة، فانقلبت الطاولة على الدين في نهاية الخمسينات من القرن المنصرم، وأصبح الإلحاد يافعًا يترقرق ماء الغرور على وجهه، بعد أن تمَّ التَّمهيد له على نارٍ هادئة طوال الأطوار الماضية. في عام (1927 م) وفي محاضرته (لماذا لستُ مسيحيا) رفع الفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل (1) الستار عن إنكار الاعتقاد بالدين والألوهية؛ لأن الأدلة التي يستخدمها المؤمنون مدحوضةٌ حسب زعمه، ولأنَّ الإنسان ليس سوى جزء ضئيل من الطبيعة، وجل أفكاره التي يتشدق ما هي إلا تُحدّدُها العمليَّاتُ التي يقوم بها الدماغ، ولأنَّ العلم الطبيعي هو المصدر الوحيد للمعرفة، وهو لا يُقدّم أيَّ تأييد للاعتقاد بفكرة الألوهية، ولأنَّ الدين شرٌّ من الشُّرور، وعدو شرس للطيبة والذوق، وهو غير موجود إلا في الأوساط التي لم تنضج بعد). ولا يخفى أن أطروحات برتراند راسل قد قدمت للإلحاد خدمةً كبيرةً من الناحية الفلسفية، حتى غدا الإلحاد من بعدها وكأنه قد خطا خطوات متسارعة للأمام فوضع قدمه أنتوني فلو على الساحة بثقل أكبر مما كان عليه ثم من بعد راسل جاءت أيضًا كتابات الفيلسوف الإنجليزي الشهير السير أنتوني فلو (3) لتُسهم في دفع

برتراند راسل نتائج

عجلة الإلحاد إلى الأمام، فقد وجه أنتوني فلو فوَّهة انتقاداته اللاذعة إلى الدين المسيحي كما في كتابه الشهير (الله والفلسفة)، أما في كتابه الآخر (فرضية الإلحاد) فإنَّه قد ركب قحمةً منيعةً عندما زعم بأنَّ الإيمان بوجود) الله يُعتبر وهما وضربًا من الخيال؛ إذ إنَّ المؤمن يفرض - بإيمانه هذا - سياجا لا ينتهي من التَّحفظات على الإله. ومن أبرز إضافات أنتوني فلو أضافها إلى رصيد فلسفة الإلحاد مدعِمًا لها ومادًّا إليها يد العون؛ مطالبته - ولأوّل مرّة

التي

1 - اللورد برتراند راسل (1872 - 1970 م) عالم رياضيات وفيلسوف ومنطقي إنجليزي، ألقى هذه المحاضرة في السابع من مارس عام (1927 م) وذلك إبان حضوره لأحد مؤتمرات المنظمة العلمانية البريطانية في لندن.

2 - يُنظر: إ. م. بوشنسكي، الفلسفة المعاصرة في أوروبا، ص (79).

3 - فيلسوف إنجليزي (1923 - 2010 م) مهتم بفلسفة الدين، ألف العديد من الكتب التي أنكر فيها وجود الله، قبل أن يعود إلى

الإيمان بوجوده في آخر أيام حياته.

4 - يُراجع: رمسيس عوض، ملحدون محدثون ومعاصرون، ص (82 - 86).

184