مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٢٠٠

مناجزة الإلحاد

اکتوى العالم العربي بنيران الحصار والتمزيق والغزو الفكري، وتعرّض لنهب الثروات وتحطيم ما تبقى له من قوة وتماسك، وخلَّفت القوى الاحتلالية وراءَها حدودًا مُفتعلة، وأقامت زعاماتٍ عميلة تركت جروحًا غائرةً استقرت في الوجدان العربي، ثمَّ اتَّجهت تلك القوى إلى طرح الأفكار الشيوعية، فأغرقت العالم العربي في بحر صراعات اليمين واليسار، ومن لم يقبل منهم ذلك استدرجته إلى مصيدة القومية، ولكن دارت الدوائر، فسقطت الشيوعية، وافتضحت القومية، وتعرَّت الشعارات، فاستدارت تلك القوى لتكرَّ على العالم العربي بجلود ووجوه أخرى). وقبل أن يغادر الاحتلال العسكري العالم العربي نشر بذور الاحتلال الفكري على تربته؛ على أمل أن يأخذ لاحقًا حقه يوم حصاده فلمَّا انكفأت النزعاتُ القومية بعد اشتطاطها كان انكفاؤها هذا مشروطًا بخضوعها للتيَّار الماركسي، ففي الخمسينيات من القرن المنصرم عُقد في بيروت اجتماع لروّاد القومية العربية انتهى إلى تبني الفكر الماركسي كأيديولوجية لحركة القومية (7)! كذلك لا يسعنا أن نتغاضى عن التأثير الجغرافي غير المباشر، فالجارة

إيران تأثرت بموجاتٍ علمانيّةٍ أقصت الدين وأبعدته عن شؤون الحياة

أن العامة بعد انتقل الحكم فيها إلى الشَّاه رضا خان (3)، وكان لذلك انعكاساته على مرآة السياسة العربية. لقد سبق لقطاع عريض من العالم العربي أن علَّق كل آماله وطموحاته في النهضة والاستقرار على عاتق

الشَّاه رضا خان الدولة العثمانية، فأخذ العرب يتوارون عن المسرح السياسي خلف الدولة العثمانية وربطوا مصايرهم بها، وعندما أخذ بناء الدولة العثمانية في التصدع

الداخلي، وانهزمت جيوشها أمام الزَّحف الخارجي، وتصاعدت المطامع السياسية الأوروبية لاقتسام أراضيها، وتسربت الأفكار الغربيَّة إلى أقاليمها عامَّةً والعربية منها خاصة؛ أخذ العرب يبحثون عن ذاتهم ولغتهم وحضارتهم ويتطلعون إلى تغيير حاضرهم وبناء مستقبلهم، ولكنهم وجدوا الطريق أمامهم شائگا، فقد انفرط العقد الذي كان يربطهم تحت أفياء الدولة العثمانية، وأطلت عليهم دول غريبة عنهم تفوقهم علمًا وقوَّةً وتقدما، فوقف العرب في حيرة من أمرهم؛ إذ مالت شريحة منهم إلى صف الدولة العثمانية التي دبَّت الشَّيخوخة في مفاصلها؛ رغبةً منهم في

1 - يُنظر: مصطفى محمود الإسلام السياسي، ص (7 - 8).

2 - يُنظر: فتحي يكن العالم الإسلامي والمكائد الدولية، ص (52 - 55).

3 - مؤسس الدولة البهلوية (1878 - 1944 م) كان دكتاتوريًا، عاش في صراع مع المرجعيات الدينية طوال فترة حكمه، واشتهر بمحاربته للحجاب، وفرض اللباس الغربي، وهو من قام بتغيير اسم البلاد من (فارس) إلى (إيران).

200