مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٢٠١

المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي

إصلاح الخلل وسد الثغرات، ومالت شريحة أخرى إلى الانفصال تحت تأثير الأفكار الغربية الجديدة، داعين إلى دولة قومية بعيون غربية).

لقد دبَّ الخوفُ والعجز في أوصال الكثير من العرب بعد أن رأوا الهزائم وهي تطارد الدَّولة العثمانية وتتردَّد في كل مكان من سهول الهند إلى جبال البلقان، فوقفوا حيال ذلك موقف العاجز الذي لا يعلم أي السُبُلِ يسلك، فالحضارة الغربية بنت الرعب والهيعة في نفوس الكثيرين، ولم يجد العرب أنفسهم إلا أمام المد الأوروبي الذي أحاط بهم إحاطة السوار كمال أتاتورك بالمعصم، فقد كان اللقاء الأول بين العرب والحضارة الغربية شؤمًا مستطيرًا - في كثير من الأمور - وضربةً شديدة الوقع والأثر في صرح الوحدة أحدثت شرحًا عميقا (2). إنَّ المتأمل في السُّقوط المُدوي للدولة العثمانيَّة يُدرِك بأنَّه عائد إلى انبثاث الضعف الشامل في مفاصلها السياسية والاقتصادية والعلمية والفكرية والدينية والأخلاقية والاجتماعية (3)، وقد انبثق عن هذا السُّقوط الارتماء المباشر في أحضان العلمانية على يد مصطفى كمال أتاتورك)، والابتعاد عن كل ما له صلة بالفكر الإسلامي - كإغلاق المدراس الإسلامية كافة - فأخذ التَّغريبُ الجذري ينخر الأرض التركية ليمتد نفوذه إلى العالم العربي). لقد ترسخ مفهوم هشاشة الدول العربية وضعفها في وجدان الفكر العربي الحديث، وكيف أنَّها - أي الدول العربية - كانت مرتعا للجهل والاقتتال والتشرذم ومسرحًا للتَّدخلات الأجنبية والإملاءات الخارجية وتصفية الحسابات، وسيتبادر إلى ذهنه تحليل الأسباب واستخراج الرابط الذي يجمع بين هذه الدول، ولا ريب أنَّ الدين الذي تم تهميش دوره تارةً وتوظيفه لمآرب سياسية تارةً أخرى سيكون في أعلى القائمة السوداء، وليس بغريب على الفكر العربي الحديث أن يُضحي بالدين ويتحايل عليه وقد ظهرت ملامح التّضحية به بعد تلاقح الفكر العربي بمبادئ الحضارة الأوروبية عامةً والثَّورة الفرنسية خاصة، فمن خلال هذا التَّلاقح تسرَّبت إشكالية الدين والسياسة في أوروبا

1 - يُنظر: محمد عبدالقادر، نكبة الأمة العربية بسقوط الدولة العثمانية، ص (15).

2 - يُنظر: حسين مؤنس الشرق الإسلامي في العصر الحديث، ص (60 - 63). 3 - يُنظر: محمد الصلابي، الدولة العثمانية، ص 10.

4 - مصطفى كمال أتاتورك (1881) - (1938 م) زعيم تركي وقائد عسكري وسياسي، وأول رئيس تركي بعد إلغاء الخلافة العثمانية على

يديه. (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية.

ه - يُنظر: رضا، هلال السيف والهلال، ص (68 - 69).

201