مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٢٠٢

مناجزة الإلحاد

إلى العالم العربي، ولما كان الهم السياسي هو الشَّاغل الأكبر لمفكري النهضة العربية في القرن التاسع عشر بوصفه السَّبب المركزي لتخلف العالم العربي واقعنساسه من وجهة نظرهم؛ فإِنَّ الطَّريقة التي تمَّ بها فضُّ هذا الإشكال في أوروبا تم استدعاؤها إلى العالم العربي دون

مراعاة للفوارق الجذريَّةِ بين البيئتين

كانت تلك الفترة العصيبة التي ماجت فيها الفتن والصراعات في أقطار العالم العربي كفيلة بخلق وعي يائس وحانق، ولم يزل الأمرُ على حاله بعد الاستقلال؛ فالإملاءات الأجنبية والتدخلات الخارجية تلقي بظلالها بين الفينة والأخرى، ورقعة شاسعةً من العالم العربي تُعاني إلى اليوم ويلات الحروب والصراعات والفتن وكثير من السياسات العربية تستحدث الطائفية من لا شيء وتزيد من أوارها واضطرامها، بل وتوظفها توظيفا دينيا دنيئًا؛ مما يعني أنَّ الدين سيكون مسؤولًا عن تلك الصراعات وما ينجم عنها من مآسٍ على كافة الأصعدة: كقراءة مشوّهة للمشهد الحقيقي، أو كحيلةٍ من حيل التبرير المصطنعة للتملص من الدين!

تلك هي تراكمات السياسة العربية في العصر الحديث، ولم يتغير - للأسف - واقعها السلبي الذي كانت عليه إلى اليوم، فمزيد من التَّشتت والتَّشرذم إلى مزيد من القرارات الهوجاء، ومن سيء إلى أسوأ، فالقضية الفلسطينية التي خذلتها السياسة العربية طوال عقودٍ أصبحت مثلا للتَّخاذل في نصرة أُخوَّة الدين والسياسة التي أفسدت الأمور ستجعل الفرد يُلقي باللائمة على (الدين) الذي لم يستطع أن يجد حلا لها، وسيُنظر إلى (الإله) نظرةً خاطئة؛ باعتباره لم يقف في صف المسلمين ضد عدوهم ولم يُحرك ساكنا!!

لقد غدت السياسات العربيَّة التَّطرف الديني وأمدَّته بالعُدَّة اللازمة، ولأنَّ التَّطرف وما يترتب عليه أمر ترفضه الفطر وتُنكره العقول فإنَّه إن استتر بستار الدين وتلفّع بالشعارات الفضفاضة فقد يمثل انعكاسا لصورة الدين نفسه، وسيفضي الأمرُ إلى رفض الدين والإله، فلا العقول المستقيمة ترضاه، ولا الفطر السَّليمة تقبله، والأمثلة على ذلك حاضرة في واقعنا المعاصر.

بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر واتهام الإسلام علنيًّا بالضُّلوع في تنفيذها توجهت الأنظار الخارجيَّة إلى العالم العربي بصفته الحاضن للدين الإسلامي، فتم تكثيف الحملات الإعلامية المسيسة لتشويه صورة الإسلام وإلصاق فكرة الإرهاب والعنف والهمجية به، وعلى إثر ذلك كان ردُّ السياسة العربيَّة خائبًا، وشكّل ذلك هزيمةً نفسيَّةً عظمى، هذه الهزيمة النفسية

202