مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٢٠٣المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي
التي أججتها السياسات العربيَّةُ سيجترها الفكر العربي الحديث معه وسيسقطها على كل من خيب ظنه، ولن يسلم الدين من تلك الإسقاطات، ليس من باب الحتمية بالتأكيد، وإنَّما من باب التصورات الفكرية المهتزَّة والتي تبحث عن أدنى قشة لتتعلق بها.
لقد كسرت الثورات العربية مهابةَ السُّلطة السياسية وأبهتها في تلك البلدان، ونزعت عنها القداسة والفخامة التي لازمتها عقودًا طويلة، وأسقط المحتجون الرموز التي كانت قد تسلطت عليهم وذلت لها أعناقهم خاضعين، فلربما اغتر بعضهم وأخذته العزة بالإثم ليتحدى كل الرموز الأخرى: الدين والأخلاق والقيم والعادات والحبل على الجرار! بل وفوق هذا فإنَّ وضع ما بعد الثَّورات عادةً ما تلطخه أيادي الفوضى والاختلال والفراغ الفكري والسياسي، وهذا الوضع بدوره قد يُحفّز مناطق الكبت التي رزحت تحت وطأة الاستبداد، وقد يبلغ به الأمر إلى تفريغ شحنة المكبوتات بكل صورها الدينية والاجتماعية والسياسية!! وممَّا هو ثابت تاريخيا أنَّ الثَّورات في طبيعتها لا تقف عند الحدود السياسية، بل تتعداها إلى المجالات الأخرى وما تحويه من
مبادئ وقيم. هتفت تلك الثورات بالديموقراطية، وجعلتها على سُلَّم مطالبها الثورية، ولكن قبل ذلك كله كانت علاقة الفكر الإسلامي بالديموقراطية تبدو محل قبول ورفض (2)، فالديموقراطية لا تختلف كثيرًا عن التَّصورات والأفكار المنتجة خارج البيئة الإسلامية - كان هذا هو لسان الحال! - ومما زاد من تفاقم إشكالية الوضع هو أنَّ النُّخَب لم تكن مهيَّأةً بعد للتعامل مع ظروف المرحلة الفارقة؛ إذ لم يكن لديها الرَّصيد الكافي من الوعي والجاهزية العملية لكسب الرهان! والخطر كل الخطر يكمن في جعل الدين في قبالة الديمقراطية وأنه مصادم لها رأسًا برأس؛ فإنَّ الأثر السياء لهذه المصادمة سيرتد على الدين ذاته، وسيتهم بمصادرته للحريات ورفضه للديمقراطيات، وهل حصل مثل ذلك إبان الثورات؟ الجواب: نعم!
إذن؛ أضحى الدين فى السياسة العربيَّة بين مطرقة التَّوظيف الخبيث وسندان التهميش، فالسياسات العربيَّة تُلزم النَّاسَ بما تراه ولا تنظر إلى الدين إلا بشطر عيونها، وعندما تقتضي
1 - لا يمكننا القول إنَّ الديمقراطية نظام مثالي ولكنَّها أفضل الموجود، فهي بناء تراكمي من التَّطوير عبر ما يزيد عن (200) عام تقريبًا من التأسيس الحديث لها، وقد يسأل سائل: هل يمكن أن يولد ما هو أنفع وأجدى؟ نعم. كيف؟ كما جاءت الديمقراطية يمكن أن يأتي غيرها مما هو أكمل منها.
2 - يُذكر أنَّ النظام الديموقراطي لم يلق مقاومةً من علماء الشَّريعة إلا من بعد منتصف القرن العشرين حين بدأت تظهر مجموعةً من الجدليات حول مدى توافق الديموقراطيَّة مع الإسلام (يُنظر: نواف القديمي، يوميات الثورة، ص 185 - 188).
203