مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٢٠٥المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي
ثانيًا على مأدبة الدين
بعد أن أفاق العالم العربي على وقع الاحتلال الجغرافي والغزو الفكري؛ هال هذا الواقع الجديد علماء المسلمين وأذهلهم، فأخذوا يدفعون عن أفكارهم بكل إصرار وعزيمة، مضطلعين بأعباء المهمات، راكبين على متون التضحيات، بينما حاول فوج منهم أن يُصلح الأفكار التي قد تقف حجر عثرة أمام التَّقدُّم، كما كانت هناك محاولات في الاتجاه المضاد؛ إذ كانت فئة من النَّاس تُحاول جاهدةً تذليل أعناق العِقاب وترويض جماح الصعاب في سبيل أن تُوهِم المجتمع العربي بأنَّه يعيش حالة المجتمع الأوروبي في عصور الانحطاط، ولكي ينهض من الانحطاط ويعتلي صهوة التقدم فعليه أن يقتفي أثر الخطوات التي خطاها المجتمعُ الأوروبي حذو النعل بالنعل والقُذَّةَ بالقُذَّة، وفي مقدمة تلك الخطوات: التحرر من قبضة الدين متجاهلين عقبة اختلاف الأسباب، ومتغافلين عن حقيقة أنَّ التَّحرُّر من الدين لم يكن سببًا للنهضة الأوروبية، بل نتيجة ترتبت عليها!!
مع بدايات القرن التاسع عشر انبلجت طلائع الاحتكاك المباشر بالحضارة
أنحاء العالم العربي،
الغربية، فاجتاح الشُّعور بالتخلف المادي وأوجد ذلك هزيمة نفسيَّةً مريرةً دفعت بالكثيرين إلى الإلحاح في طلب مسايرة الغرب واللحاق بركبهم، فكان منهم جهد جهيد في التوجه نحو الجانب الديني وإصلاح الأخطاء ا
اء التي خلفها موروثه البشري، فعرف هذا المنزع باسم محمد عبده (المدرسة الإصلاحية والتي قادها الشيخ محمد عبده. وعندما أراد الشَّيخُ أن يُقيم سدا في وجه العلمانية الأوروبية وما تفتق عنها ليحمي المجتمع الإسلامي من طوفانها؛ انفجر السد وأصبحت بقاياه قنطرة عبور إليها، فقد جاء بعضُ تلامذة الشيخ من بعده ليدفعوا بنظرياته وتوجهاته إلى أقصى حدود العلمانية). وفي نهاية القرن التاسع عشر تشكلت حركة تغريبية تقوم
1 - من رجال النهضة الإصلاحية (1849 - 1905 م) كان ناقمًا على فساد التعليم وتخلف مناهجه عن العصر، التقى بجمال الدين الأفغاني ولازمه، اشتهر بالحث على البحث والاجتهاد وتحكيم العقل والرأي والقياس، له كتاب: (الإسلام والنصرانية)، وكتاب: (رسالة التَّوحيد)، وكتاب: (الرَّد على المستشرق هانوتو)، وغير ذلك من المقالات والفتاوى (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية). 2 - يُنظر: محمد حمد الناصر العصرانيون، ص (69 - 70).
205