مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٢٠٧

المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي

وحدث - لاحقًا - تطور متسارعُ النَّبض غطى جميع مجالات الحياة؛ مما استدعى الاجتهاد في معرفة أحكام النوازل التي لم يقل فيها الأقدمون شيئًا، لكن النَّاس اصطدموا بالفكرة السائدة عن غلق باب الاجتهاد بتحرير قضائي من الدَّولة العثمانية ولنا أن نتصور عاقبة مثل هذا الفكرة على الدين؛ إذ تم وضعه في توابيت الجمود الفكري؛ مما يعني أنه قد يخرج من مسرح الحياة متسللا من الباب الخلفي كانت حمولة العالم العربي الدينية ثقيلةً على كاهله، فالعصر الحديثُ اجتر معه كل الإرث الديني بهيله، وهيلمانه وبما شاب بعض جوانبه من خرافاتٍ وأباطيل، وما حفلت به بعض مدوّناته من الكيد والإغراض تجاه المخالفين بما يُؤجج نار الأحقاد، وينفخ في كير الضغائن! فانقسم الناسُ إلى فريقين لا يكاد يربط بينهما رابط فريق المحافظين على التراث، وهؤلاء لا يُدركون على وجه التحديد أي شيءٍ من هذا التراث هو من حقيقة الدين، وفريق اتَّجه إلى الحضارة الغربية باعتبارها محراب الأمل والمخلّص من الخطيئة والمنقذ من الضَّلال، وهذا الفريق نفسه قد انقسم إلى قسمين تجاه الدين قسم يرى نبذه كما نبذته أوروبا، والآخر يرى الإبقاء عليه شريطة أن يلزم مكانه لا يتجاوزه، ومكانه هو أن يكون علاقةً خاصةً بين العبد وربه محلها القلب ولا شأن له بواقع الحياة).

في مستهل فترة الاحتلال الغربي للعالم العربي مع نهايات القرن التاسع عشر تم الفصلُ بين التعليم الديني والتَّعليم العام فعلوم الشَّريعة انفصلت عن العلوم الإنسانية والطبيعية بعد أن كانت المناهج التَّعليميَّة في كبار الجامعات العربية في القاهرة وفاس والقيروان تُدرس فيها علومُ الشَّريعة بجانب العلوم الإنسانيَّة والطَّبيعيَّة؛ انطلاقاً من النَّظرية التربوية الإسلامية المبنية على وحدة الهدف في جميع العلوم: هدف معرفة الخالق وسياسة الكون بمنظور الاستخلاف. لقد تبدى مصطلح التَّعليم الديني في الجامعات العربية العريقة في بداية القرن العشرين، مُشعِرًا بانفصال العلوم الدينيَّة عن العلوم الإنسانيَّة والطَّبيعيَّة، ولعلَّ هذا الفصل فيه خير من حيث النظرة الأكاديمية في تقسيم التَّخصصات - نظرًا لتشعبها وغزارة معطياتها العلمية - لكنَّ هذا الفصل فى الحقيقة أسهم في تهميش العلوم الدينية وتقزيمها، وقلص حجم الدعم الذي كانت تتقاضاه، والجانب الأهم من هذا كله ليس التعليم الديني في حد ذاته، بل اعتماد الدين كقيم مرجعية تحكم المنظومة التربوية والتعليميَّة، فقد كانت القيم الدينية حاضرةً في المنظومة

1 - يُنظر: محمد قطب، واقعنا المعاصر، ص (347 - 348).

207