مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٢١٣المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي
مفهوم الغيب وما وراء المادة، ويبدو أنه كان متأثرًا كلَّ التَّأثر بفلسفة إمانويل كانث). وليس من المبالغة إن قيل عنه بأنه أشهر مفكر عربي حاز خطر السبق في نقل الفلسفة الوضعية المادية إلى العالم العربي بنكهة الدعوة إليها، ولا شك أنَّ الكثيرين قد تأثروا بكتاباته، وقد حكى عن نفسه
في كتابه (قصة عقل) أنه يتبع الاتجاهات العصرية في تبنيه للفلسفة زكي نجيب محمود
الوضعية المنطقيَّة (2)، وعندما تعرضت كتاباته للنقد انتفخت لغاديده،
يبدو
حصر
ووقفت شعرات أنفه، مُبدِيًا امتعاضه ومظهرًا تمسكه بالدين فبادر إلى تغيير عنوان كتابه من (خُرافة الميتافيزيقا) إلى موقف من الميتافيزيقا وقدَّم له مقدمةً ألقى فيها معاذيره (3). إذن؛ أنَّ الفكر العربي الحديث مرَّ في بدايته بمرحلة التوفيق بينه وبين الفكر الغربي، ويُمكن هذه المرحلة في الفترة ما بين بداية القرن التاسع عشر والثلث الثاني من القرن العشرين، وفي المرحلة ذاتها كانت هناك عدة محاولاتٍ - وإن كانت محدودة - تبنت التخلي عن النظرة الإسلاميَّة بشكل كامل، ثمَّ جاءت المرحلةُ النَّقديَّة في الفترة ما بين الثلث الثاني من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين السمت بنقدِ التُّراث الفكري الإسلامي من جوانب انطلاقا من التصورات الغربية، وفي الوقت نفسه السمت بنقد الفكر الغربي الحديث وظهور ما يُعرف بالمشاريع الفكريَّة، أمَّا الأوضاعُ الفكريَّة الحالية فإنَّها تسير نحو البحث عن الاستقلال الفكري عن الفكر العربي القديم والفكر الغربي الحديث)، وهو ما يُمكن أن الإلحاد العربي قد شق طريقه من خلال
عديدة؛
أنَّ
يُصطلح عليه بالبحث عن الذات والهوية، ويبدو تلك المحاولات المحدودة التي تبنت التخلي عن النظرة الإسلامية في المرحلة التوفيقية. إِنَّ كُلَّ فلسفة أو فكرة مهدت للإلحاد في أوروبا إبان نهضتها وَجَدَتْ مَن يتلقَّفها في العالم العربي من الكتاب والمفكرين، ومن هذه الزاوية كان للإلحاد في العالم العربي موطئ قدم على مأدبته الفكرية، ومن الطَّبيعي أن يشعر العالم العربي بالتمزق الثقافي والتخلف الفكري؛
1 - لم يُنكر الغيبيات الإسلامية صراحة، لكنَّ نقده للميتافيزيقا وإعجابه بالفلسفة النقدية لكانت وتبنّيه للفلسفة الوضعية المنطقية كلها عوامل كانت تُعطي انطباعًا قويًا عن فكره المادي. يُرجع لكتاب زكي نجيب محفوظ: موقف من الميتافيزيقا). 2 - يُنظر: زكي نجيب محفوظ، قصة عقل، ص 92.
1 - لن نتحدث عن تفاصيل رجوع زكي نجيب محفوظ في نهاية المطاف عن الكثير من مواقفه بعدما اطلع على الثراث الإسلامي - كما تحدث عن ذلك بنفسه في كتابه قصة عقل - فحديثنا هنا عن الأثر البارز التي خلفته كتاباته في الفكر العربي، والتي تخدمُ بلا شك النزعات المادية.
- يُنظر: الفلسفة العربية المعاصرة، مجموعة من الأكاديميين العرب، ص (254 - 257).
213