مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٢١٤مناجزة الإلحاد
لأنه آمن بضرورة المطابقة الكاملة بين النموذج الأوروبي وواقعه العربي فأدى به ذلك إلى الانصهار التام والاغتراب العام، وأضحى كلُّ ما يمُتُّ إلى عالمه العربي بصلة محل شكّ وريبة، وموضع اتهام بالتخلف والتَّحنُّط الثقافي!
لقد ظل الفكر العربي الحرُّ رهينةً بيد الاحتلال الغربي، وفي أفضل الأحوال طريدة بيد السياسات الحاكمة، وفي الوقت الذي كانت فيه أوروبا تُحرزُ الانتصارات تلو الانتصارات في مجال الاكتشافات العلمية كان العالم العربي يُناضل من أجل الاستقرار السياسي ودحر الاحتلال وتأكيد حقه في العيش بحرية بعد أن كانت إنجازاتُ الأسلاف) في حقول العلم المختلفة تُبهر العالمين منذ القرن الثَّامن وحتَّى القرن الثالث عشر الميلادي، فانسحبت أمتنا وقبعت منزويةً بين طيَّات التَّاريخ، وجاءت حضارة الغرب فوق أنقاضها ليكون لها قصب السبق، وعندما سنحت الفرصةُ بقدرٍ من الحرية الفكريَّة لم نستلهم إلا الفكر الغربي في كل شؤوننا، منصرفين عن واقعنا وثقافتنا، ومتشبثين بانتداب الطابع الغربي في كل أوجه حياتنا الثقافية).
وباسم النهضة وما صاحبها من تنوير تجرَّعَ العالم العربي تطعيمات التغريب بكل مرارتها، وانتهت صرعةُ النّهضة العربية وتنويرها إلى غير شيء، واستمرَّ التَّغريب ولم ينقطع نسله حتّى بعد انقطاع صرعة النّهضة التي قذفته بين أحشاء العالم العربي، والغريب أنك لتجد الأمر الفكري والفلسفي يعم الغربَ ثُمَّ يُعلن الغرب موته فيواريه تحت أرماس الفكر من غير حداد، بل قد يستبدله بفكر آخر ولكنَّك تتفاجأ باحتضان مغتربي العالم العربي ذاك الفكر المرفوض المستبدل!! ليكون حالهم كحال النافر إلى الحج والناس قد عادت، وإنَّك لتمتلئ تعجبًا وتذهل حيرة من صنيع قادة التَّغريب، فتجدهم يبحثون بحث المستميت عن الفلسفات الوضعية من أي وادٍ ومشرب كانت هذه الفلسفة ما دامت لا تحتضن أبجدياتها شيئا اسمه (الدين)، فتجدهم - مثلًا - يفتشون في قمامة الشيوعية ومخلفاتها بعد أن ماتت الشيوعية في مهدها وقُبِرت، كلُّ ذلك تحت أوهام خادعة وشعارات زائفة من مثل: البحث عن الذات … البحث عن الهوية المفقودة! لن يصح الأمرُ إن أبقينا الصراع قائمًا بين الأصالة والحداثة، وبين الدين والنهضة، فهناك ترابط بين كل هذه المفاهيم، ولا يصح التخلي عن مفهوم منها لصالح الآخر، فإنَّ أوروبا نفسها لم تتخل إبان نهضتها عن تراثها الثقافي التَّاريخي (اليوناني والروماني) وانطلقت منه؛ ذلك لأنَّ
1 - من يرد الاستزادة - في هذا الباب - فليرجع إلى الكتاب القيّم للدكتورة سيغريد هونكه شمس العرب تسطع على الغرب). 2 - يُراجع: إبراهيم سعفان، أزمة الفكر العربي، ص (51 - 62).
214