مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٢١٥المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي
التّرابط بين مفاهيم الأصالة والحداثة ليس ترابطاً شكليًّا بل هو ترابط ذو علاقة داخلية بين عناصر مختلفةٍ يؤدي نُضج أحدها إلى نضج الآخر، فالأصالة وعي بالذات، وإدراك لحدودها الزَّمانيَّة والمكانية، والتزام بقيم الإسلام الكلية وتصوراته الشَّاملة، والحداثة انفتاح على الإنسان والعالم، ورغبة في مد الجسور والتَّعاون لتحقيق مجتمع عادل يصبُّ كل طاقاته لكرامة الإنسان، فلن يستقيم الحالُ إلا إن ابتعدنا عن دائرة الاستقطاب بين الأصالة وما يندرج تحتها من الدين والثقافة والأعراف، والحداثة وما ينزوي تحت لوائها من تحضر وتمدن).
وهكذا الحال مع الصراع والاستقطاب بين الرُّوحي والمادي، فليس أحدهما يُصادم النهضة والتَّقدم، بل كُلُّ واحدٍ منهما يُكمل الآخر، وهذا مثبت عبر تاريخ البشرية جمعاء، فالحضارةُ الهندية المتقدمة كانت متجهةً إلى تحليل النفس الداخلية وتأملاتها، وابتعدت عن قوقعة الحواس، فاكتشفت بذلك أشياء كثيرة، والحضارة اليونانية اهتمت بالبحث عن قوانين العالم الخارجيَّة، وتحديد مقام الإنسان في العالم الخارجي، والحضارةُ الصينية اهتمت بالعلاقة بين الإنسان والإنسان، فكلُّ حضارة من هذه الحضارات صبَّت جُلَّ اهتمامها على جانب دون الآخر ولكنَّها في الوقت ذاته لم تُهمل الجانب الآخر، ولم تلقه بين طيات العدم وشراسيفه أنَّ النّهضة الأوروبية خضعت للعامل الجغرافي؛ إذ تأثرت بالجانب المادي اليوناني، وأهملت الجانب الروحي وجعلته ضديدًا ونقيضًا)، وهذا ما يتنافى مع الفكر الإسلامي؛ إذ لا صدام فيه بين الجانبين، وقد حاول كثير من رواد النّهضة العربيَّة أن يُوهموا العالم العربي بهذا الاستقطاب المفتعل، والذي هو غير مشبوك الصلة بالواقع الفكري الإسلامي، وكلُّ ذلك يرجع الأساس إلى مغالطة الإسقاطات الأوروبيَّة التَّاريخيَّة على العالم العربي.
ويبدو
1 - يُنظر: لؤي صافي الحرية والمواطنة والإسلام السياسي، ص (63) وما بعدها.
2 - يُنظر أحمد أمين الشرق والغرب، ص (136 - 146).
:
215