مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٢١٨

مناجزة الإلحاد

الزهاوي

الانحراف عن مساره التقليدي عند شعراء المهجر، فقد كانوا ينطلقون

في أدبهم من عقائدهم النَّصرانية، كما تحلَّى أدبهم بقلائد (اللاأدرية). ثمَّ تأتي الحداثة في نهاية المطاف كخلاصة خرجت من رحم تلك التراكمات التجديديَّة؛ إذ انقدحت شرارتها من العراق وانطلق صخبها من هنالك ليخترق آفاق البلاد العربيَّة بأسرها)، فتسللت إلى الأدب العربي ونفثت مضامينها فيه، ولا يعني هذا أنَّ الخير منعدم في اتجاهات الأدب العربي

الحديث ومدارسه، وإنَّما الغايةُ هي التركيز على مسار خط الانحراف الذي كانت معطياته تدفع دفعًا إلى زيادة منسوب التشكيك وارتفاع حظوظه شيئًا فشيئًا، فالأدب العربي الحديث تتضارب فيه الفلسفات الماديَّة واللادينية، فتارةً يستند إلى اللاأدرية، وتارةً إلى الماركسية، وتارةً إلى العدمية وغيرها من الفلسفات، حتَّى قيل بأنَّ عهده الشعري في فترة من الفترات أصبح بلا هوية، وأصبح لا يُقدم مفهومًا حقيقيا). وفي السياق ذاته بزغ نجم شاعر العراق جميل صدقي (3) بعدما أغرق ديوان شعره بوابل من الدَّعوات إلى النزعات المادية، والانعتاق نحو آفاق الداروينية العشوائية العدمية، ورفض الاعتقاد بالمعاد وخلود الروح، فأدبُ الزهاوي فيما عبور لتمرير النزعات المادية وتغذية جذورها، ولا شك أنَّ بعض النفوس قد وجدت ما يسد حاجتها من تلك النزعات على مأدبة الأدب؛ لتُبرّر بذلك نمط تفكيرها وأسلوب حياتها. ومن الأمثلة التي يمكن إيرادها على ما أشرنا إليه؛ قول الزهاوي:

الزهاوي

كان محطة. يبدو

لا يغضب الناس من مقالي إن قلتُ أصل الإنسان حيوان

1 - يُنظر: سعيد الغامدي، الانحراف العقدي، (1/ 75 - 78).

ومن

2 - يُنظر: محمد حسين الأعرجي، الصراع بين القديم والجديد، ص (113). والحداثة أمر ضروري - بالطَّبع - فهي تعكس التَّطور لا يتطوَّر يموت، ولكن الطريقة التي دخلت بها الحداثة إلى العالم العربي هي المستنكرة في الأصل وليست الحداثة ذاتها؛ فقد أتت الحداثة محمولةً على ظهور دبَّابات الغزاة ومشدودةً برسن القاذفات والراجمات جاءت لتفرضَ ذاتها فرضا وفق ثقافة القوي على الضعيف، وفق رؤية الغالب على المغلوب، إنها إملاء لطريقة العيش وفرض لخيار واحد وحيد أوحد أريد تعميمه وتثبيته بقوة النار والحديد من قبل المنتصر على المهزوم؛ لذلك أصبحت الحداثة خصمًا ينبغي مكافحته فكريًا وثقافيا كما تمت مكافحة الاحتلال عسكريًا وسياسيًّا، وأصبح الوقوف في وجهها مطلبًا دينيا لا تجوز الحيدة عنه، وهذه الفتة وفق للانتباه لها بعضُ الباحثين الغربيين عندما ذكروا أنَّ رفض المسلمين كان رفضًا للأسلوب الغربي، ورفضا للنفوذ الاستعماري الأوروبي، وليس رفضًا للانطلاق إلى النّهضة والتجديد الحضاري للاستزادة: السيد ولد أباه الدين والهوية، ص 55 وما بعدها). 3 - شاعر وأديب عراقي (1863 - 1936 م ولد وتوفي في بغداد، من أعلام الشعر العربي الحديث، كان يضع نفسه فوق فعندما كانت الأوساط الشعريَّة تتحدث عن شوقي والرصافي أخذ الزهاوي يسخر منهما! (يُنظر: الموسوعة

شعراء عصره، العربية العالمية).

218