مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٢٢٠مناجزة الإلحاد
يعكس صورة بيئته، وبأنه مجرد أثر أدبي. وهذا اللمز يُوحي بدلالاته إلى بشرية القرآن، ومحدودية صلاحياته، ونفي القُدسية عنه، ومما لا ريب فيه أنَّ هذا المسار هو ذات المسار الذي انقدحت منه شرارة الإلحاد في أوروبا؛ فنقد الكتاب المقدَّس - المحرَّف - كان منطلقا من منطلقات نجيب محفوظ الإلحاد في أوروبا. ويظهر جليًّا تعمق الأفكار المادية الماركسية في أدب نجيب محفوظ ()، فرواياته التي أثارت الجدل لاسيما روايته (أولاد
حارتنا) (3) كانت أشبه ما تكون بحبك روائي لفكرة مراحل تطور الفكر البشري التي تنتهي بالوضعيّة كما نظّر لها أوجست كونت، فقد أقدم كثير من النقاد على تعرية رموز هذه الرواية وأرجعوها بعد فكّ شفرتها إلى المقصود الحقيقي منها، فكانت تلك الرموز تمثل الله والأنبياء). ولن نخوض في تفاصيل ذلك، وإنما نكتفي بإشارة عابرة إلى جرأة أدب نجيب محفوظ في رواياته عمومًا وروايته (أولاد حارتنا خصوصا؛ إذ أعلن فيها بشكل ضمني موت (الله) والقضاء على فكرة الدين بعد أن وضع العِلمُ حبل المشنقة على رقبته. لقد مهد الأدب العربي الحديث مُمثلا في المدارس والأعلام سالفة الذكر لظهور الشَّطحات الغربية في التعامل مع الدين والإله، فجاءت كثير من الأعمال الأدبية مشربًا بالشَّطط والشَّطن والتَّجاوز في أمور الدين والأخلاق والأعراف، وكان منها ما كان من تعبئة وعي القُرَّاء بذخيرة من الشكوك والارتياب، ولعلَّ أضعف الإيمان هو أن يُصبح المرور على مثل تلك الشَّطحات أمرًا معتادًا لا يُحرك شعرةً في جسم المتلقي، ولا يُؤلمه نابُ الخذلان إذا ما وقف أمامه؛ فتنكسر القداسة في نفسه بدون شعورٍ منه، وقد يترتب بناءً على ذلك أن يدق باب الإلحاد في ساعة ضعفٍ منه، ومن بعد يهرع إلى الدخول في مهامه حنادِسِه ودواجيه!
في روايته (محاكمة الله) والتي تحمل عنوانًا آخر وهو (مسافة في عقل رجل) حشد فيها
1 - يُنظر: زكي مبارك النثر الفني في القرن الرابع، ص (39 - 41).
2 - أديب وروائي مصري (1911 - 2006 م ورائد الرواية العربيَّة، وأوَّل عربي نال جائزة نوبل للآداب عام (1988 م)، له أكثر من خمسين كتابًا من بينها: (خان الخليلي)، وزقاق المدق)، و (بداية ونهاية). (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
- رواية ضخمة تقع في أكثر من (500) صفحة، تناولت خمس قصص، كل قصةٍ منها منفصلة عن الأخرى، ويجمع بينها شخصيَّة (الجبلاوي) التي تظهر في جميع تفاصيلها، والجبلاوي كان رمزًا عن (الله) كما يرى بعض النقاد. (اقرأ: نجيب محفوظ، أولاد حارتنا). - يقول جورج طرابيشي: "لكن الرموز في أولاد حارتنا معدومة الوجود، ومستحيلة الوجود أصلا بالنَّظر إلى التطابق الكامل ووحدة الهوية بين شخصيَّة موسى التَّاريخيّة وشخصيَّة (جبل) الروائية ..... فالرموز ليست رموزًا في حقيقتها وإنَّما شخصيَّات تم تحوير تسمياتها. (ينظر: جورج طرابيشي، الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية، ص 22).
220