مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٢٢٥المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي
إنَّ أَوَّلَ منعرج يصحبنا في رحلتنا عبر التاريخ الحديث للصحافة العربية هو مُنعرج الطباعة، فقد صدرت فتوى بتحريمها واعتبارها رجسًا من عمل الشَّيطان وبقي الأمر على حاله إلى حين صدور مرسوم سلطاني عثماني في عام (1712 م) بإتاحة طبعِ الصُّحف إلا ما كان مختصا بأمور الدين). ومن هنا كاد الدين أن ينتصب في وجه الطباعة كعقبة فارعة يصعب تجاوزها وهي العامل المهم والضَّروري من عوامل النهضةِ والتَّقدم كما لا يخفى!
ذاك
لقد عكست الصَّحافة العربية في العصر الحديث صورة مُجمل الأحداث الفكرية والثقافية والاجتماعية التي عاشتها وشكلت صفحاتها وعيًا عربيًّا تم صياغته وفق أهداف مرسومة بدقة،
فالتغريب والاستشراق والتَّحرُّرُ وغيرها من التَّوجُهات ملأت الصُّحُفَ العربية، مع العلم معظم الأقلام التي حبَّرت الصُّحُفَ العربية في العصر الحديث وملكت مقاليد التصرف فيها كانت ذات توجهات ماركسية وعلمانية وتغريبيَّة! فلا عجب أن تنظر - مثلًا - إلى مجموعة من أشهر كتاب صحيفة (الأهرام) وهم يُزوّقون في كتاباتهم الوجة الماركسي العلماني، ويشنون حملة شعواء لا هوادة فيها ضدَّ الصَّحافة الإسلامية ويدعون إلى إيقافها وتجميد الدم في عروقها. كما ظهرت في سبعينيات القرن التاسع عشر عدَّةُ مجلات كان الهم المُلقى على عاتقها هو إطلاع العالم العربي على الفكر الأوروبي والأمريكي، وكان العدد الأكبر من هذه المجلات يصدر في بيروت والقاهرة برئاسة نُخبة من نصارى لبنان الذي تثقفوا في المدراس الفرنسية والأمريكية، وتأتي من بين تلك المجلات مجلة (الجنان) التي أصدرها بطرس البستاني في عام (1870 م)، ومجلة (المقتطف) التي أُسّست في عام (1876 م) على يد يعقوب صروف وفارس نمر وهما من أساتذة الكلية البروتستانتية السورية، ومجلَّةُ (الهلال) التي ظهرت لأول مرة في عام (1892 م) على يد جورجي زيدان.
وترتكز الموضوعات التي تتناولها هذه المجلات على إيجاد البديل الأوروبي فيما يخص النظم الاجتماعيَّة، وتنحية الدين جانبًا وتغليب الانتماءات الأخرى على حسابه؛ ولذلك عندما وصلت الأعداد الأولى من مجلة (المقتطف) إلى بغداد في عام (1876 م) لم تلق ترحيبًا إلا من بعض الشباب، بينما قاومها الجميع من مسلمين ويهود ونصارى؛ لأنها كانت في نظرهم - تحمل عقائد دخيلة على الثقافة العربيَّة، ويبدو أنَّ احتضانَ تلك المجلات لمقالات شبلي
1 - يُراجع: عبد اللطيف حمزة، قصة الصحافة العربية، ص (17) - (26)، وإبراهيم عبده، أعلام الصحافة العربية، ص (5 - 9).
225