مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٢٢٧المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي
القرن المنصرم، فقد تناولت المجلَّةُ قضيَّة الإلحاد دعوةً وترجمةً وتأليفا بعد أن كان الإلحاد يُعامل معاملة الاعتقاد الشخصي، ثمَّ أُرغم إسماعيل مظهر تحت ضغوط كابحة على إغلاق المجلة، لتظهر مجلة أخرى حملت اسم (الدهور) تبنَّت التَّوجه ذاته. وبعد الحرب العالمية الأولى وتغلغل نفوذ فرنسا وبريطانيا في أعماق العالم العربي طبعت كلّ من هاتين الدولتين الصحافة العربية بطابعها الثقافي والفكري، فصحافةُ الشَّام والمغرب العربي تأثرت بالطابع الفرنسي، وصحافة مصر والعراق تأثرت بالطابع البريطاني، فكانت الصُّحُفُ العربيَّةُ التي تتبع إحدى الثَّقافتين تلقى الدعم والانتشار، وأمَّا الصُّحُفُ المناوئة فإنَّها تُصعق بتيَّار الحظر والإقصاء والتضييق!
كانت الفترة الممتدة بين عامي (1948 - 1967 م) حُبلى بالكثير من المنعرجات التي حملت الصحافة العربيَّةُ فيها مشعل الأفكار التغريبيَّة، فروّجت لها ونافحت عنها ببسالة وجرأة، كما نقلت الصحافة العربيَّة عن طريق ما يُعرف بفن الكاريكاتير) نقدًا اجتماعيا ودينيا قامت شوقه على الشخرية من الدين وقيمه ومفاهيمه بصورة تبدو هزليَّةً منمَّقة على سبيل إضحاك المتلقي، فمثلا فى المجلة المسماة بروز اليوسف وعلى مدى سنوات طويلة يُشاهد المتلقي نقدًا كاريكاتيريا لاذعا لكل القيم الإسلامية ترسمت خُطاه الكثيرُ من الصُّحُفِ والمجلات الأخرى، مستغلةً حُسن ظن المتلقي ورغبته في الترويح عن نفسه؛ لتغرس في فكره مفاهيم تُعادي روح الدين وأخلاقياته مع مرور الوقت. وأدَّت صحيفة (السياسة) دورها في الدعوة إلى اللادينية فاتحةً الطَّريق للإلحاد ورافدةً العالم العربي بالخُطوات اللازمة للسير على خُطى المادية الغربية، ففي مقالاتها كثيرًا ما كانت تُهاجم الإسلام وتشريعاته، كما تحدثت عن اصطدام الدين بالعلم، وقررت أنهما خصمان لا يجتمعان، وأنَّ كلمة التوحيد مشكوك في صحتها، ويجب أن ننتظر العلم الحديث ليؤكدها (2)!! وقد رفض أصحاب المكتبات احتضان جريدة (السياسة) في رفوفهم؛ لكثرة ما تحمله من أفكار إلحادية تسللت إلى وجدان القارئ في تلك الفترة. وما زالت الصحافة العربية المعاصرة تؤدي الوظيفة ذاتها، فهناك عشرات الصُّحُفِ التي تنشر الكثير من تلك الأفكار ولا تكاد تخرج عنها إلا في الأسلوب وطريقة العرض، تلك الأفكار التي تلقتها شرائح مختلفةٌ من أفراد العالم العربي عن طريق الصحافة العربية فزرعت فيهم بذور
الشَّك شيئًا فشيئًا، ومن حينها كان للإلحاد مقعد على مأدبة الصَّحافة العربية.
1 - يُراجع: أنور الجندي، الصَّحافة والأقلام المسمومة.
2 - يُنظر: أنور الجندي، تاريخ الصَّحافة الإسلامية، (2/ 351 - 362).
227