مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٢٢٩المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي
يتعلق بتمرير النزعات الإلحادية إلى ذهن المتلقي الغربي، وبالتأكيد فإنَّ ذلك الدور انتقل إلى العالم العربي من بوابة الترجمة، بل إنَّ الإعلام العربي بحكم أدواته المتواضعة كان يستورد الأفلام والمسلسلات الغربية ذات التوجهات المادية والعدمية ويبتها في العالم العربي عبر شاشاته؛ متعذرًا بعدم وجود المواد المحليَّة الكافية. كما كان للسينما العربية نصيب من ذلكم الدور البئيس بدايةً بالرصيد الفكري الذي يتمتَّع به القائمون على السيناريوهات وما يُضفونه عليها مما يختلج في نفوسهم، وانتهاءً بالمخرجين الذين يصوغون الفلم على مقاييسهم الشَّخصيَّة، ومن أجل ذلك تم في السنوات الأخيرة تأسيس فرع مستقل من النقد السينمائي يُسمى بـ (النقد العقائدي))، فالعمل السينمائي كالعمل الأدبي لا ينفك عن شخصية القائمين عليه، فهو يتأثر بفكرهم وثقافتهم، وعن طريق ذلك يُمكنُ ترسيخ المراد في وعي المتلقي على تطاول الأيام وتوالي الأفلام.
إذا جئنا إلى بدايات السينما العربيَّة فإنَّ ما كان يُعرضَ فيها لم يكن ذا أثر كبير؛ لبساطة العرض وبدائيته، ثم ابتدأ التَّأثير الحقيقي يشق طريقه بعد الحرب العالمية الثانية، فأصبح تأثير السينما في رسم التوجهات الفكريَّة ظاهرًا وجليًّا، ونظرًا لانحدار المستوى الفني في هذه المرحلة فقد تعرضت السينما للانتقاد اللاذع، وأصبح المُشاهد الواعي يخجل من الدخول إلى قاعات السينما (2)، فقد صاغت هذه الموجةُ من الأفلام الوعي العربي، وزرعت فيه بذور الانحلال الديني والانسلاخ الأخلاقي، فمن أجل سواد عيون الفن تُساق قيم الدين إلى منصة الابتذال أمام مرأى الجمهور؛ لتنطلي عليهم رويدا رويدا فكرة تهميش الدين وإقصائه من مسرح الحياة؛ بحيث تصبح مبادئه غريبةً عن المجتمع، ولا يتقيد بها إلا السذج القابعون خلف كواليس التخلف
تأثرت فترة الستينيات بالطابع الماركسي والأفكار المادية المصاحبة له، فانعكس ذلك على السينما التي روّجت بدورها لتلك النزعات كما في فلم اللص والكلاب)، فقد تضمن هذا الفيلم الدعوة إلى وجوب أن يحصل الإنسان على كل ما يُريد وبأي طريقة كانت الغاية تبرر الوسيلة). وفي فيلم (قصر الشَّوق) يترك البطلُ كلَّ المبادئ والقيم الدينية والأخلاقية التي آمن بها، بغرض الحصول على بضاعة الحب كما راجت فكرةُ التَّشكيك في الفترة ذاتها، ففي فيلم
1 - يُراجع: برنارد ف. ديك، تشريح الأفلام، ص (573 - 577).
2 - يُنظر: جان ألكسان، السينما في الوطن العربي، ص 43.
229