مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٢٣٥بعد
المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي
إذن؛ لقد ابتدأ الجهر بإنكار وجود الله في العالم العربي في الربع الثاني من القرن العشرين أن تدفقت إليه كميات هائلة من الفلسفات المادية، ولعلَّ استدعاء هذه الفلسفات إلى العالم العربي في نهاية القرن التاسع عشر على يد روّادِ النّهضة العربية، وفرضها كشرط حضاري مخالفه عن دائرة التَّحضُّرِ كان أكبر محفّز لإعلان إنكار وجود الله، وقراءة ذلك تبدو واضحةً جليَّةً إذا ما تمَّ تسليطُ الضَّوءِ على بعض الشخصيات الملحدة في العالم العربي؛ لذلك سنعرض لذكر أشهر اسمين جاهرا بالإلحاد قبل غيرهما: إسماعيل أدهم، وعبد الله القصيمي.
يَخرُج
(1) - إسماعيل أدهم: وُلِدَ بالإسكندرية (1911 - 1940 م) من أب تركي وأمّ ألمانية، تلقى دراسته الأولى بمصر قبل أن ينتقل إلى روسيا ويحصل على شهادة الدكتوراة في العلوم من جامعة موسكو، وبعد ذلك عُيّن
كتابا
مدرسًا للرياضيات في جامعة سان بطرسبرج، ثمَّ حَصَدَ شهادة الدكتوراة الفخرية في التَّاريخ الإسلامي والآداب العربية. له رسائل علمية عديدة في بناء الذرة، وفي التَّكافؤ الذري، وفي ميكانيكية أينشتاين، وقد ألف إسماعيل أدهم في علم الرياضيات تخطّى عدد صفحاته حاجز الألف، كما أنَّ له مؤلفات أخرى في غير العلوم التجريبية كـ (حرية التفكير)، والرسول محمد أصله ونسبه) وغيرها، وكان كثيرًا ما ينشر مقالاته وكتاباته عبر الصُّحُفِ والمجلات المختلفة)، نقول كل هذا بين ظفري: (كما يُشاع عنه وإلا فإنَّ للحقيقة وجهًا آخر غير ما ذُكِر (2). وما يعنينا هنا هو الحديث عن الكتيب الذي أثار موجةً من الردود في تلك الفترة، وهو كتيب لماذا أنا ملحد)؛ إذ كان عبارة عن رسالة
1 - يُنظر: الموسوعة العربية الميسرة، (3001) وسليمان الخراشي، انتحار إسماعيل أدهم، ص (27 - 43). 2 - تنبيه: يبدو أنَّ هناك دراسات قد أُقيمت حول إسماعيل أدهم تخالف ما هو معروف عنه! كدراسة سامي كيالي في كتابه (الراحلون)، ودراسة المستشرق جاوتييه ينبول بعنوان: (إسماعيل أدهم الملحد). فقد أوضحا الكذب والدجل الذي يلف سيرة إسماعيل أدهم، فهو لم يحصل على شهادات الدكتوراة، ولم يكن مدرسًا في جامعة موسكو ولا في جامعة بطرسبرج، ولم يكن يتقن ست لغات كما هو شائع عنه، ولم يؤلف تلك الكتب المذكورة، بل لا وجود لها أصلا، فعندما طلب منه سامي كيالي أن يعطيه كتابًا منها وعده إسماعيل أدهم ولكن دون أن يفي بوعده … (يُنظر: حسام الدين حامد، الإلحاد وثوقية التوهم وخواء العدم، ص 260 - 267). يظهر إذن أنَّ إنجازات إسماعيل أدهم مجرد تلفيقات وأحلام زائفة، وهذا أيضًا ما أكدته مجلَّةُ الأدب العربي في عددها الصادر عام (1972 م) قائلةً: "لم يحصل أدهم على أية شهادة دكتوارة، ولم يكن يومًا عضوًا في أكاديمية العلوم، ولم ينشر أي كتاب أو مقال، لا بالرُّوسية ولا بالألمانية ولا حتَّى الفرنسيَّة، ولا صحة لما قيل عن تأليفه مجلدين باللغة التركية بعنوان (تاريخ الإسلام)، كما ولم تكن هنالك أية علاقة صداقة بينه وبين المستشرق الروسي (بارثولد) الذي توفي سنة (1930 م)، أي قبل عام من ادعاء أدهم بأنه ذهب إلى روسيا، ولم يتلق أي إطراء من المستشرق الرُّوسي (كازيميرسكي)؛ لأنَّه لم يكن هنالك شخص بهذا الاسم أصلا". ويقول براين ويتاكر: "فجَمَعَ أدهم قائمةً متخيلة من المؤهلات المثيرة للإعجاب ..... (يُنظر: براين ويتاكر، عرب بلا رب، ص 48).
235