مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٢٤٠

مناجزة الإلحاد

القصيمي وفي تركيبه المزاجي، فحتَّى قبل انحرافه كان متمردًا على أعدائه في المذهب، فتراه يُهاجم هذا ويرد على ذاك ويحطم الثالث!! (1)

القصيمي،

أمَّا التَّفسير الذي نتفيَّأُ ظلاله فهو التفسير الذي نجمع فيه شتات التفاسير الثلاثة السابقة؛ باعتبار أنَّ كلَّ واحد منها يمثل دافعًا متشخّصًا أسهم في تحديد خط سير الفكر الذي تبناه، فالشبهات والشكوك التي كانت تعصف ببَنَاتِ نَفْسِه، مضافًا إليها ما كانت عليه طباع القصيمي من الأثَرَة والتَّكُبُر والغرور والاستهانة بقدر الآخرين، مضافًا إليها كذلك الشَّخصيَّة المتمردة والمندفعة التي استحوذت على قسط وافر من تكوينه وأخذت حيزًا كبيرًا من بنيته الفكرية؛ هذه الدوافع الفارقة شكلت بتراكماتها منعرجا حادًّا وخطيرًا انسَرَبَ فيه فكرُ القصيمي. ولما كانت شبكة التفاسير الثلاثة السَّابقة غير مكتملة - بمجموعها فضلا عن أفرادها - من وجهة نظرنا؛ إذ لم تقم بتغطية كل المناطق التي تنقل فيها جوال فكر القصيمي؛ استلزم ذلك منَّا أن نمد إليها يد العون في استكمال بقية أجزاء الصورة الناقصة، فهناك دوافع أخرى لم تدخل في حمى التفاسير السابقة وهي من الأهمية بمكان؛ نذكر منها: اعتراض القصيمي على القضاء والقدر، والذي يتّضح في دوام تذمره واستيائه، وانقطاع أنفاس القناعة والرضا عنه، إضافةً إلى العوامل الأسرية غير المستقرة، والتي انغرست في عقله الباطن واختلطت بلحمه ودمه، كانفصال والديه عن بعض، وهجرة أبيه في وقت مبكر من حياته، وكذا الانتكاسة الدراسية التي مُنِي بها بعد طرده من جامعة الأزهر أوَّلا، واعتقاله ونفيه ثانيًا، ثم انعدام من يأخذ بيده بطريقةٍ صحيحة دون تعنيف أو تسفيه وازدراء.

والعارفون بأحوال القصيمي يعلمون بأنه كان بارعًا في التنقل بين حبال الأفكار الرائجة، فبينما كان الفكر السلفي هو الرائج في وقته - بحكم نشأته وتنشئته - كان من أنصاره ومن قادات مجده، ولمَّا عمَّت التَّياراتُ الغربية كالقومية واليسارية والاشتراكية وأصبحت رائجةً وتُوضع لها الهالات الضخمة وتوصف بالتقدم وبأنَّها المنقذُ من الضَّلال - خصوصا في مكان إقامته في مصر ولبنان وباريس - حلق معها وطار حيث تطير!! ونحن في أثناء تتبعنا لكتابات القصيمي والنظر في فحواها نجد انفجاراتٍ نفسيَّةٍ حانقة قلما تستند إلى منطق علمي سليم؛ ولهذا يصف أدونيس القصيمي بقوله: "عبدالله القصيمي لا تستطيع أن تمسك به، فهو صراخ يقول كل شيء ولا يقول

1 - سليمان الخراشي، عبدالله القصيمي وجهة نظر أخرى، ص (43 - 48).

240