مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٢٥٨مناجزة الإلحاد
جراثيمه الفكرية إلى كل طبقات المجتمع ومستوياته حتّى في علاقة الرَّجُلِ بعائلته)؛ ومن ثُمَّ فإِنَّ هذا النوع من الاستبداد يُلقي بظلاله على كل شيءٍ في الحياة الاجتماعية، يُوجّهها حيث يريد ويذهب بها ما يشتهيه من المذاهب وإن كان فيها الهلكةُ والدَّمار، مُشكِلا مع الاستبدادين الديني والاقتصادي ثالوث الخراب؛ لذا فهو أصلُ الأدواء جميعها خلافًا لأولئك الذين قالوا بتَوَلَّدِ الاستبداد السياسي من رحم الاستبداد الديني فالاستبداد السياسي أتى بدوره على قدرة الأمة على الامتداد في المجالات المختلفة)، فزراعة أصل الخراب تبدأ من جذر السياسة الجائرة والسياسيين الفاسدين (3)، ومن بعد تتشكّلُ المصاهرةُ اللعينةُ بين استبداد السياسيين وتزييف الكهنوتيين وأثرة الإقطاعيين، ويبقى أنَّ المتحكّم الأكبر في خيوط اللعبة والرابح الأكبر من عمليَّة التَّزاوج هذه هم السياسيون الانتهازيون، ومن عداهم دُمى على مسرح العرائس يُحركون من خلف الستار، وهذا كله أصل الكارثة التي تدفع النَّاس إلى الثَّورة، وتزداد الكارثة وقعا عندما يحكم هؤلاء رقابَ النَّاس باسم الدين ليثور الناسُ رافضين الدين وما ينتج عنه خصوصا مع شيوع الجهل المصاحب لمثل هذه الأوضاع عادةً، ومن هنا كان الاستبداد السياسي حاملا في يديه معاول هدمه ودكدكته واجتثاثه
وما من شكّ في أنَّ الخطاب السياسي الديني المؤدلج) الذي هون للشعوب العربية الرضوخ للاستبداد والخضوع للظلم والعسف، سادا بذلك أمامها أُفُق الطرق الإبداعية في التحرر من طواغيت البشر، محطّما بذلك تطلُّعاتها المشروعة، ومخدّرًا عزائمها بمخدّر (وجوب طاعة ولي الأمر)، مسكنا آلامها - من الضَّيم والذلة والهوان - بمسكن الصبر! لا مراء أنَّ ذاك النوع من الخطاب كانت له انعكاساته السيئة، وإسقاطاته المرَّة الخبيثة،
1 - يُنظر: خالص جلبي وآخرون، كيف تفقد الشعوب المناعة ضد الاستبداد، ص 164.
2 - يُنظر: محمد الغزالي، كيف نتعامل مع القرآن، ص (154). والفساد السياسي في المجتمعات العربية والإسلامية، ص (52). ولا ريب في أنَّ المجتمع يجب أن تكون له مناعة فكريَّةٌ ودينيَّةٌ قويَّةٌ حتَّى لا ينصهر انصهارا تاما في قبضة التيار السياسي الاستبدادي.
وعبر
- والناظر إلى أحداث التاريخ بعين البصيرة يلوح له بكل وضوح مدى تأثير السياسة على كل شيء في الحياة الاجتماعية المدنية منها والعسكرية، ونحن نرى الأحزاب التي تعتمد على مرجعيَّةٍ دينية - في نظرتها للحياة ككل - تُحاول عبر تشكيل الأحزاب التنظيمات المختلفة الوصول إلى سُدَّة صنع القرار، والإدارة السياسية للرقعة التي هي فيها بنضال دؤوب متواصل، ولو أنَّ السياسة في أيديهم لما سعوا إليها!! وفي هذا دلالة واضحةً على أنَّ الاتجاه الديني لا يصنع القرار السياسي في كثير من الأحيان، فكيف يكون هو أصلا للاستبداد السياسي؟! نعم قد يحدث نوع من التماهي بين السياسيين الفاسدين ووعاظ السلاطين هنا أو هناك، وعلى نطاق محدَّدٍ في لعبة تتبادل فيها المصالح المختلفة في توازناتٍ على نطاق معين، وقد تستغفل يد السياسة الماكرة بعض مثقوبي الضمائر، لكن هذا لا يعني بحال سيرورة الاستبداد السياسي في ركاب الدين بله أن يعني أنَّ الأخير أصل للأوَّل.
258