مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٢٦مناجزة الإلحاد
شيشرون
إلا أنَّ
حصر معناه في زاوية من زوايا الميل والانحراف المتعددة كان صنعة اصطنعها قدماء الإغريق، فهم أوَّلُ من استخدم كلمة (أثيوس) ويقابلها (الإلحاد) في اللغة العربية، وقصدوا بها في بعض الأحيان: (عدم الإيمان بإله) (). وفي بعض الأحيان: (معاداة الدين السائد)، أي إنَّ المصطلح في اللغة العربية يسقط على مطلق الميل والانحراف، بينما هو محصور عند الإغريق في زاوية ضيقة. ويُذكر أنَّ الخطيب الروماني الشهير
شيشرون (Cicero)) قد أقدم في مناظراته مع المسيحيين الأوائل على إطلاق كلمة الإلحاد (Atheos) عليهم، وبعد ذلك تبادَلَ الطَّرفان هذا الإطلاق فيما بينهم. وقد شاع في العصر الحديث استخدام مصطلح (الإلحاد) بالمعنى الإغريقي الضَّيق، ويُشير القاموس التاريخي للغة الفرنسيَّة إلى أنَّ كلمة (ملحد) ظهرت في اللغة الفرنسيَّة في القرن السادس عشر مأخوذةً من الكلمة اليونانية (أثيوس)، وهي كلمةٌ موجودة في اللاتينية منذ القرن الميلادي الثاني تقريبًا، واستقر المعنى عليها منذ القرن الرابع الميلادي (3). وعلى الرغم من أنَّ (المادية) فلسفةٌ تَجمع مدارس الإلحاد المختلفة، لكنَّها نفسها ليست محلَّ انسجام واتفاق إلا من حيث الأصل ومن حيث التنظير العام … وسياقات الإلحاد تُفرز لنا مظاهر كثيرة عبر الزمان والمكان، فمظاهرُ إنكار وجود الله، أو التلكؤ والارتياب وعدم الجزم بوجوده أو عدم الاهتمام بوجوده، وكذا إنكار ربوبيته وخالقيَّته، أو إنكار حقيقة الدين، هذه المظاهر كلها هي أبرز المعاني التاوية والمتأصلة في (ماهية) الإلحاد باختلاف اتجاهاته، أما قصرُ النَّظر على جزئية من جزئيات هذه المعاني أو حرفُ مسارها بالتَّأويل أو التَّعليل فهذا مما يدخل في نطاق (ماهية الملحد)، ولا يدخل في نطاقات (ماهية الإلحاد). وسبب تفريقنا بين (ماهيَّة (الملحد) و (ماهية الإلحاد) يكمن في اختلاف المعايير التي يُعتد بها في إثبات إلحاد الملحد من عدمه، فإلصاق تهمة الإلحاد بشخص من الأشخاص لا يعني مباشرةً أنَّ ماهية الإلحاد قد تحققت فيه، أو قد استوفت جميع متطلباتها وعلى كل حال فإنَّ ماهية الملحد قد تكون مجرَّدةً تجريدًا لغويًّا بحثا؛ أي إنَّ
1 - فكلمة (ثيوس) تعني الإله وكلمة (آتيوس) تعني النفي؛ أي لا إله.
2 - اسمه الحقيقي: ماركوس توليوس وشيشرون مجرَّد تعريب لصيغة اسمه بالإيطالية (106) - 43 ق. م) وهو خطيب وسياسي وأديب روماني كبير، من أشهر كُتُبه: (الجمهورية)، و (عن غايات الأخيار والأشرار). (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية). - يُنظر: زينب عبد العزيز، الإلحاد وأسبابه، ص 8.
26