مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٢٦٥المبحث الخامس: دوافِعُ الإِلْحَادِ وبَواعِثُهُ
الإلحاد والانعتاق من الدين فيقول بعضهم: "إنَّ ترك الإسلام أسهل من انتظار إصلاحه". وهذه المقولة تتضمن في طياتها اتهام الإسلام ذاته بالقصور والخلل وليس تراثه البشري فحسب، وتتضمَّن كذلك عدم المبالاة بالبحث والتصحيح والاكتفاء - كسلا وخمولًا - في التعاطي مع الأمر بآلية الرفض المطلق.
تشرذم الأمة الإسلامية وتمزعها:
حالُ أبناء الدين الواحد من التفرق والتناحر في أصله يرجع إلى السياسات الحاكمة)، والتنشئة على عدم قبول الرّأي والرأي الآخر، ويرجع كذلك إلى النمط الفكري الضيق الذي يسير عليه بعض الناس - من علماء أو عوام - فالاختلافات في حقيقتها مصدر قوَّةٍ وثراء معرفي، لكن واقع الحال قد آل إلى ما نُعاينه من التدابر والاقتتال باسم الدين، فيفتتن بعضُ الشَّباب ويلتبس عليهم الأمر، ولا يجدون منجى لهم من هذه الفتنة الشَّعواء سوى الانعتاق من ربقة الدين، أو النَّظر إليه نظرة المتوجّس المرتقب في أحسن الأحوال!
وربما كان الوفاقُ حول الكثير من وجهات النظر المختلف عليها، أو تقريب شقة الخلاف حولها أمرًا ممكنًا؛ غير أنَّ السياسة كان لها فعلُها في توسيع الهُوَّة مستغلةً ذوي التوجه الديني المغالي بعد حفل زفاف بائس نتج عنه هذا المولود المشوَّه المَعُوق؛ حيث تمَّ التَّوسع شيئًا فشيئًا في التكفير حتَّى ضمَّ طيفًا واسعًا من الأمة في أبشع عمليَّةِ استغلال للبعد الديني، فكان الأمرُ في ظاهره غَيرةً دينيَّةً وهَبَّةً تصحيحيَّة؛ ولكن في خفائه نزوة سياسية وشهوة جامحة مسعورة لاستئصال الخصوم واصطلامهم.
إنَّ ازدهار المجتمع بثقافة مؤمنة جامعة - لا فصام فيه بين ما تأمر به مصادره الأساس المتمثلة في الوحي وما جاءت به من قيم كالوحدة والألفة والتراحم والتعاضد وبين الواقع الذي يعيشه المنتمون إلى دائرته - سبب من أسباب ترسيخ الإيمان، وعكس ذلك سبب من أسباب
1 - وهذا لا يحتاج إلى كبير إثبات؛ فبنظرة خاطفة إلى أحوال المذاهب الإسلامية المختلفة في بلاد الغرب - حيث القانون الدقيق النافذ المنظم لعلاقات الطوائف والمذاهب بعضها ببعض - يُدرك أنَّ أصل المشكل ليس في وجود الطوائف والمذاهب وإنَّما في آلية إدارة هذا التَّنوع، والاختلاف والسَّعي إلى صفّ هذه الاختلافات الفُسيفسائية الجميلة بجوار بعضها لتشكيل لوحة فاتنة أخاذة تسر الناظرين، وذلك بسنّ التشريعات الصّحيحة الصريحة الواضحة، واستحداث القوانين الحاكمة النافذة من أجل إدارة راشدة للتنوع والاختلاف، وهذا تسبقه بلا شك الإرادة السياسية الحقيقيَّة الصادقة المبتعدة عن سياسات الابتزاز والاستغلال ودقّ الأسافين بين الفرقاء؛ بغية تشتيت ريحهم، وتفريق وحدتهم واجتماعهم؛ لتتفرغ عندها السياسة الجائرة لمشروعاتها بعيدا عن مقص الرقابة الجمعية للأمة!
265