مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٢٦٨مناجزة الإلحاد
ثالثًا: الدوافع والبواعث الاقتصادية
وهي تلك المحركات والمؤثرات التي تترجمها الحالةُ المعيشية المتردية من فقر وعجز وقلَّةِ حيلة وسوء طالع وفقدان للأمل والحياة الكريمة، ويعود تشكل الدوافع والبواعث من خلالها على النحو الآتي:
الاستبداد الاقتصادي والاحتكار
سبق أن رأينا - في المباحث السابقة - كيف أنَّ العصور الوسطى كانت عصورا لسيادة الإقطاع؛ حيث بدأ مالكو الأراضي المتنفّذون بالتَّوشع على حساب الأراضي الفلاحية التي تدهورت أوضاع أصحابها بسبب الحروب والضرائب والغرامات الكبيرة؛ ليتحولوا عن أراضيهم تلك ويُصبحوا عمالًا في أراضي الإقطاعيين، تلتها مرحلة أخرى ارتبط فيها الفلاح المغلوب على أمره بالأرض التي يعمل فيها؛ ليتحول إلى عبد مملوك!
لقد شكل الإقطاعيون - بإقطاعيَّاتهم الجائرة - دولًا صغيرةً داخل الدولة الكبيرة، وكل هذا الجور الاقتصادي الممتزج بالفساد والاستبداد السياسي كان الشرارة المفجرة لموجات عارمة من الشخط والرغبة في الانعتاق إلى أفق جديد يقطع الصلة بالماضي الأسود الكالح المرير؛ ممَّا مهد لتصحيح اقتصادي وسياسي - أو هكذا بدا - وإبعاد الدين عن واقع الحياة، بل والثورة عليه ومناهضته في أحيان كثيرة؛ ممَّا فتح الطريق أمام كارثة الإلحاد في أوروبا.
ولم يكن العالم العربي في معزل عن تلك الأحداث وتداعياتها، فقد امتد شررها إليه وتعاظم أثرها فيه، فالاحتكار والاستبداد الاقتصادي والفساد المالي ينخر المجتمعات العربية من شرقها إلى غربها، ويتحكم بمفاصل العيش الكريم ومنابعه، وقد كان لذلك نصيب من نقمة بعض الشباب على المجتمع وتمردهم عليه، ولما كان الدين مكوّنًا أساسًا من مكونات المجتمع فإنَّه لن يكون في منأى من نقمتهم تلك وشررها المتطاير!
268