مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٢٦٩المبحث الخامس: دوافِعُ الإِلحَادِ وبَواعِثُهُ
الفقر والعوز والفاقة: قيل: بأن "صوت المعدة أقوى من صوت الضمير “. وفي الأثر: "كاد الفقر أن يكون كفرًا). ومعلوم ما للفقر من مخاطر جمَّةٍ على الأخلاق، فالفقر قد يحمل المرء على ركوب الصعب والدلول من أجل الفكاكِ من بين مخالبه وأنيابه الناشبة، ولربما حمل المرء على حسد الآخرين وتمنّي زوالِ نِعَمهم والكيد لهم، وتكمن خطورة الفقر على الدّين من حيثياتٍ مُتعددة لعلَّ أبرزها: المقارنات التي قد تختلج في صدور الفقراء المعدمين بين وضعهم المأساوي ووضع من فتح الله عليهم، فينقمون على القدر ويستاؤون منه، فيجرَّهم ذلك إلى التَّسخط والاعتراض على الله خارجًا مخرج العَجَلةِ من شقشاق لقلاق فينهدم دينه وتتشوَّه نفسه فيسيل به السَّيل من حيث لا يدري، وتكمن - أيضًا - في ارتكاب الفقير للمحظورات على طول الخط من سرقةٍ ونصب واحتيال وبيع للأعراض ونحو ذلك مما يُولّد فيه الشعور المستمر بالذنب، وقد يدفعه هذا إلى الإلحاد؛ بغية الخلاص والانفلات من قبضة الإحساس بالذنب وتأنيب الضمير وتأليبه؛ ولذا قال لينين ذات مرة: "إنَّ الجوع ينهي الاعتقاد بوجود الله"!!
ونحن إذ نذكرُ هذا لا نريد به القول بتسويغ الإلحاد لمن كان واقعا بين براثن الفقر؛ وإنما أردنا كشف سبب من أسباب انجرار البعض إلى الإلحاد، ومنه أردنا لفت انتباه من وقع فيه إلى ضرورة الوقوف مع الذات وتشخيص أصلِ الدَّاء الذي تسرَّب إليه والسعي إلى علاجه، وأردنا منه لفت انتباه العلماء والمفكرين وأصحاب رؤوس الأموال إلى خطر داهم قد ينبتُ من بين مخالب الفقر إلى المجتمع، وبالتالي وجَبَ من أصحاب الشأن السَّعي إلى سدّ هذه الثَّغرة أو النزول بتأثيرها إلى أدنى الحدود الممكنة، أمَّا العلماء والمفكرون فدورهم بإعداد ما يمكن إعداده من الدراسات الاختصاصية القادرة على كشف أصل الداء ووضع مصل الدواء، وأما أصحاب رؤوس الأموال فدورهم يكمن في تحويل الدراسات النظرية المجابهة للفقر - ممَّا وضعه العلماء والمتخصصون - إلى واقع ملموس يسهم في إطفاء حريق الفقر و تسعره، في مشهد تجتمع فيه التخصصات كل تخصص من زاويته وتجتمع فيه القلوبُ الروائمُ بعيدا عن جحيم الأثرة وسُرادِق الأنانية.
1 - هذا الأثر وإن ضُعف وطعن في سنده إلا أنَّ الواقع يعضده كما مر بيانه أعلاه.
269