مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٢٧٥

المبحث الخامس: دوافِعُ الإِلحَادِ وبَواعِثُهُ

الوالد المشوه:

وضع هذه النَّظريَّة عالمُ النَّفس الأمريكي الكبير البروفيسور بول فيتز (Paul Vitz) (2) مستخدمًا أدوات المدرسة التَّحليلية الفرويدية في علم النفس؛ ليخرج بنتيجةٍ تُخالف تمام المخالفة النتيجة التي توصل إليها سيجموند فرويد! ولفهم هذه النظرية بدقة من المهم أن نتعرف بإيجاز على المدرسة التحليلية في علم النفس التي وضع أسسها سيجموند فرويد، بول فيتز فقد لفت النظر إلى وجودِ ما يُعرف باسم (العقل الباطن) وكيف أنَّه يُؤثر في سلوكنا وأفكارنا وقراراتنا دون أن نشعر وينطلق بول فيتز من هذه المدرسة في علم النفس فيُقرّر أنَّ دوافع الإلحاد وموانع الإيمان بالله تعالى هي بالأساس نفسيَّة وليست عقليَّةً منطقيَّةً، وأنَّ هذه الدوافع تنقسم إلى قسمين: دوافع سطحية، مثل الانتماء لفئة اجتماعية أو علميَّةٍ معينة أو عدم الرغبة في التَّقيد بالتكاليف الدينية أو غيرها. ودوافع عميقة في العقل الباطن، وهي الدوافع التحليلية. يرى فرويد أنَّ دوافع الإيمان بالله نفسيَّةً لا يُمكن الاعتماد عليها، وهي تعبير عن عُقدة (أوديب) حيث يتخلَّصُ الأبناء من أبيهم الذي يغارون منه حتّى يظفروا بأمهم، ثمَّ ينشأ لديهم الشُّعور بالذنب تجاهه، ثمَّ يتطوّر هذا الشُّعور إلى تعظيم وتبجيل، ثمَّ إلى عبادة وتأليه!! ويُخبرنا فرويد كذلك بأنَّ التَّحليل النفسي يُؤكد كلَّ يوم فقدان الفتيان إيمانهم الديني بمجرد انفصام عُرى السُّلطة الأبوية.

ينتقد بول فيتز هذا التَّصور من عدَّةِ وجوه؛ لعلَّ أبرزها هو افتراض أنَّ الإلحاد تعبير عن عُقدة (أوديب)؛ حيث إنَّ إنكار الإله هو هزيمة هذا الرمز الأبوي والانتصار عليه، لكن فيتز في الحقيقة لا يرى أنَّ عُقدة (أوديب) هي الصُّورةُ الصَّحيحة لتفسير الدوافع التحليلية في العقل الباطن للإلحاد. وتتلخص نظريَّةُ فيتز في أنَّ المرء ينظر إلى الله على أَنَّه أَب مثالي - والله المثل الأعلى - وعندما تتشوه صورة الأب الأرضي تختلُ بالتَّبعيَّةِ صورة الأب السَّماوي؛ مما يؤدي إلى الوقوع في الإلحاد والجحود وإنكار الله، ومن صُوَرِ هذا الأب المشوَّه أو المعيب أن يكون ضعيفًا أو غير مُحترم أو غير موجود، ومن الشواهد التاريخية عليه:

1 - يُنظر: المرجع السابق، ص 23) - (24)، وعمرو شريف الإلحاد مشكلة نفسية، ص (170 - 172). 2 - من مواليد (1935 م) وهو أستاذ فخري في علم النفس بجامعة (نيويورك)، حصل على شهادة الدكتوراة في علم النفس من جامعة ستانفورد) في عام (1962 م)، وقد سبق له أن ألحد في فترة من فترات حياته.

275