مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٢٧٧المبحث الخامس: دوافِعُ الإِلحَادِ وَبَواعِثُهُ
كما قد يُؤثر فقد الابن لأحد أبويه في وقت مبكر من عمره على قراراته وأنماط تفكيره، ولنا أن نستحضر شاهدًا على ذلك، فالملحد (إسماعيل أدهم) عانى جرَّاءَ فقد أُمِّهِ وهو في الثانية من عمره، ولم يُعوّضه أحدٌ حنان الأمّم، ورعايتها، وقد يُصاب الابنُ على إثر ذلك بالسخط على قضاء الله الغالب فتلتهمه الصراعاتُ النّفسيَّةُ الوافدة إلى داخله أرسالا على هيئة تساؤلات مِنْ مثل: لِمَ حَرَمَه الله حنان الأم وعطفها، وتزداد حدة الصراع عندما يستدعي الابنُ حالة أقرانه ممَّن تنعموا بظلال الأُمومة!
ونستحضر في هذا المقام اسم الملحد كريستوفر هيتشنز الذي تأثر - بلا أدنى شك - بانتحار أمه أولًا، وانتحار ابنه ثانيًا، وقبل هؤلاء هناك عدَّةُ قرائن تُشير إلى أنَّ تشارلز داروين تأثر بموت ابنته آني (Annie) التي كان يكن لها أكبر الحب وأعمقه، ومن يومها تغيَّر موقفه الفكري! ولمزيد من النماذج على هذه الحالة، نذكر الشَّخصيَّات الآتية):
(1) - آرثر شوبنهاور: فقد هجرتهُ أُمُّه ورمته في زاوية الإهمال، واعتبرته طفلًا غير مرغوب فيه، وكان شوبنهاور بدوره يُلقي باللائمة عليها متّهما إياها بالضُّلوع في قضية انتحار والده يوم أن كان في السابعة عشرة من عمره (2)! (2) - جون بول سارتر: فبعد وفاة والده تزوّجت أُمُّهُ من رجل لم يحفل بسارتر ولم يرض به، ولم يجد طريقةً في التعامل معه سوى الإهمال، وفي المقابل فإنَّ أُمَّهُ بعد زواجها تركت ابنها ورمته في أحضان جديه اللذين أهملاه كذلك!
(3) - فولتير: أهملته أُمُّهُ كثيرًا، فقد كانت بعيدةً عنه في أغلب الأيام، ثم قضت نحبها ولم
يكن فولتير بعد قد تجاوز الثَّامنة من عمره، ولذلك كان فولتير يصفها بـ (العاهرة)!
1 - يُنظر: عمرو شريف الإلحاد مشكلة نفسية، ص 130.
2 - من الغرائب أنَّ أمَّ شوبنهاور لما أحست بتفوق ابنها وشعرت بأنه قد يسحب بساط الشُّهرة من تحت قدميها؛ دفعت ابنها من أعلى درج منزلها، فغضب عليها شوبنهاور وكال لها الشتائم والتهم، وفضَّل ألا يراها بعد ذلك مطلقًا!! (يُنظر: ول ديورانت: قصة
الفلسفة، ص 238).
277