مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٢٧٩

المبحث الخامس: دوافِعُ الإِلحَادِ وَبَواعِثُهُ

وتتمثل هذه المناعة الفكرية في أمورٍ، متعددةٍ، ما يهمنا منها في هذا الموضع هو الاستعداد الذهني والتهيئةُ النَّفسيَّة، فلو كان الإنسانُ مستعدا ذهنيا ومهيأ نفسيا لقبول الإلحاد ومفاهيمه كان ذلك من أقوى الدوافع التي تسوقه إلى الإلحاد، وقد يصل الإنسان إلى هذه المرحلة - الاستعدادُ الذَّهنى والتَّهيئةُ النَّفسيَّة - إذا ما تكالبت عليه الشُّكوك واعتاد عليها فوقف منها موقف المعجب المشدوه دون قدرته على دفعها عنه! إِنَّ التَّوجّه إلى الإلحاد نفسيا وذهنيا هو في حقيقته توجه مركَّب؛ فالرّغبة في التَّحرُرِ والانعتاق، والرغبة في استمراء القوة وإرادتها كما عبر عنها نيتشه، أو الرغبة في التَّفلت من يد الشكوك الجاثمة على الصدر؛ هذا التوجه المركَّبُ عبّر عنه عالم النفس كارل يونج (Carl Jung) بـ (الأنماط الأولية)، وهي أنماط أوَّلِيَّةٌ متجذرة في النفس تقود وعي الفردِ أو الجماعة في اتجاهات معينة بحسب طبيعة المواقف

والمثيرات (2).

ضعف الجهاد الروحي:

قد تتغلب الشَّهوات على نفس الشَّخص فتُريه أنَّ المصلحة في إباحتها وأنَّ تحريم الشارع لها خالٍ من أي حكمةٍ؛ فيخرج من هذا الباب إلى إباحيَّةٍ وجحود (3)، ولا يُوجد مذهب على وجه الأرض يقول لك تنظيريا: افعل كلَّ الفواحش فأنت في حِل من كلّ شيءٍ إلا الإلحاد). فينزع ضعفاء الإيمان نحو الإلحاد رغبةً في التفلت من ضوابط الإيمان وصمامات الأمان بدافع غرائزي شهواني، ولما كان الاستمتاع بالملذات والشَّهوات مع الاعتقاد بحرمتها الدينية يُمثل عائقًا نفسيا ووخزا في الضمير؛ فإنَّ التَّحرُّرَ منه والانسلاخ من ربقتِه يُعطي قدرًا أكبر من الاستمتاع والراحة دون الشعور بالذنب، وهذا ما يُمكن لحظه بصورة جلية في شعوب منطقتنا أكثر من الشعوب الغربية، وما ذاك إلا لأنَّ الغرب غارق في بحار الإباحية - على الأغلب وهو لا يعترف بشيء اسمه حدود دينية إلا فيما ندر، بل وصل بهم الأمر إلى درك سافل وهوة مظلمة سحيقة؛ حيث أُقرّ الشذوذ الجنسي في أكثر من سبع عشرة دولة كانت آخرها الولايات المتحدة الأمريكيَّة أوان كتابة هذه الكلمات. ولكن في نهاية المطاف ما يلبث الشعور بالارتياح

1 - عالم نفس سويسري (1875 - 1961 م) كان من أوائل تلامذة سيجموند فرويد، وقد انتقد إسرافَ أستاذه في التَّعويل على الدافع الجنسي. (ينظر: الموسوعة العربية العالمية).

2 - يُنظر: عبدالله الشهري ثلاث رسائل في الإلحاد والعلم والإيمان، ص 130.

- يُنظر: محمد الخضر حسين الإلحاد أسبابه طبائعه، ص (8) - (9). وصالح بن عبد العزيز، الإلحاد وسائله وخطره، ص (25). - يُنظر: هيثم طلعت كبسولات إسكات الملحدين، ص 12.

279