مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٢٨١المبحث الخامس: دوافِعُ الإِلحَادِ وَبَواعِثُهُ
و تشبهت به وذلك هو الاقتداء، أو لما تراه - والله أعلم - من أنَّ غلب الغالب لها ليس بعصبية ولا قوة بأس وإنما هو بما انتحلته من العوائد والمذاهب تغالط - أيضًا - بذلك عن الغلب، وهذا
راجع للأول، ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبدًا بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه في اتخاذها وأشكالها بل وفي سائر أحواله … ).
(1)
الاعتداد بالنفس اعتدادًا مبالغا فيه (الغرور):
من لا يُقدّر نفسه ولا يعتد بذاتِه لا يُمكنه أن يُقدّر ما حوله ويعتد به، وما قيمة المرء إن العالم وخسر نفسه وهذه حقيقةٌ مُدرَكةٌ واضحة، غير أنَّ مجاوزة الحدّ هو أصل المشكل ونقطة البلاء في كثير من الأحيان، وهو ما يُولّد الغرور، والغرور رمال متحركة يصنعها المغرور ليُغرِقَ فيها فكره ومنطقه وذاته، وبلاء المتعلم - من الغرور - أكبر من بلاء الجاهل؛ ففي الجاهل يتجسد الغرور ظاهرًا للعيان ممَّا يُسهل عملية علاجه، أما في أشباه المتعلمين فهو متخفّ مستتر، وكم هي الكارثة في أن يعتقد الطَّائخ التَّائكُ نفسه عالمًا جَهْبَدًا مِسْقَعا لمجرَّد حمله الكُتُبَ! لذا كان المغرور - بغروره - مصروفًا عن الحق في جميع حالاته، مُبعدًا عن تأمل آيات الله في موجوداته، مائلا إلى طريق الغي منسربًا في مساراته، يقول الحق تعالى: سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (الأعراف: 146).
من هنا كانت التَّحولات الفكريَّة عند هؤلاء المملوئين بالغرور والزهو المعرفي في كثير من حالاتها تعكس القانون الفيزيائي: (لكل فعل ردُّ فعل مساءٍ له في المقدار ومغاير له في الاتجاه). حيث إنَّ هذه التَّحولات من اتجاه لآخر يحكمها - في قوتها وشدتها - معنى هذا القانون، فتعصب المرء لقضيَّةٍ معينةٍ حتَّى لا يرى في الوجود رأيًا سوى رأيه يجعله في أمرٍ مريج إذا ما تكشفت له الأيامُ والأدلة عن أضدادها، فهنا تكونُ ردَّةُ الفعل - في أحيان كثيرة - على قدر التَّعصُّبِ للرَّأي الأوّل فيتحوّل من الرَّأي إلى ضديده، وهذا ما تعايشه في حال كثير من المفكرين الذين نُطالع مساراتهم الفكرية وتحولاتهم المعرفية سواء عند تصريحهم بآرائهم الجديدة بالطرق المباشرة أو عبر تحليلنا لكتاباتهم الفكرية وإخضاعها للنقد مقارنين فيه السَّابق باللاحق.
1 - ابن خلدون مقدمة ابن خلدون ص 184.
281