مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٢٨٨

مناجزة الإلحاد

الله

غير المسلمين ويرميهم في جهنّم وقد يكونون في قمة الأخلاق والفضائل وفي غاية النبل والابتعاد عن الرذائل، فأين العدل الإلهي؟! ويتساءلون: لماذا يخلق الله من يعلم بأنه لن يسير على الطريق الصحيح ثمَّ يُعاقبه بعد ذلك؟! ونحو ذلك من التساؤلات التي تنم عن جهل بصفات الله تعالى وسوء فهم لكثير من أمثال هذه القضايا المعرفية!

اتخاذ قرار الإلحاد

يزعم الملحد - في العادة - بأنه قد اتَّخذ قرار الإلحاد بناءً على المعطيات العلمية والأُسسِ المعرفية، فإلحاده لم يكن خبط عشواء أو نزوةً رعناء، بل هو بناء أصيل قائم على القواعد العلمية والعقلية والموضوعية فلا علاقة لإلحاده بأي عامل من العوامل غير الموضوعية، كالعوامل النَّفسيَّة والشَّخصيَّة والاجتماعيَّة، ونحوها، ولا شك بأنَّ مثل هذه الدعوى العريضة لا مكان لها في أروقة الحقيقة؛ ذلك لأنَّ عملية اتخاذ القرار تتأثر بعوامل كثيرة من غير أن يتفطَّنَ الشَّخصُ إليها فيظن بأنه قد اتَّخذ قراره بصورة موضوعية وعلمية بحتة!

إِنَّ الإنسان قبل اتخاذ قرار الإلحاد تُحيط به - إلى جانب ما تم ذكره من الدوافع والبواعث - مجموعة من العوامل التي تصيغ قراره لا شعوريا، فعملية اتخاذ القرار - على سبيل المثال - تتأثر بالمرحلة العُمرية وتطلعاتها)، ونحن نلحظ جليًّا أنَّ كثيرًا من الملاحدة في العالم العربي هم من الفئة الشبابية اليافعة التي لمَّا يجن موعد نضجها بعد، كما أنَّ عملية اتخاذ القرار تتأثر كذلك بالمستوى الثقافي والتعليمي للشَّخص، وتُطلُ الحالةُ النَّفسيَّة هي الأخرى برأسها لتؤثر في عملية اتخاذ القرار لا شعوريا، وكذا لا ينبغي إهمال نمط شخصيَّة الإنسان، فالشَّخصيَّة عامل لا شعوري مهم، فليست الشَّخصيَّات النَّرجسية والحديَّة والشَّكَاكة والسيكوباتية والاعتمادية على خط واحد! ثمَّ يأتي عاملُ التَّأثر بآراء الآخرين ليكون فاعلا هو الآخر!

إذن؛ فمن الناحية العلمية التَّحليليَّة كلُّ هذه العوامل تُؤثّر لا شعوريا على عملية اتخاذ القرارات، فما يدعيه الملحد من الموضوعية هو في الحقيقة ادعاء فارغ زائف يُراد من خلاله

1 - نستشهد هنا بالأديب الكبير ت. س. إليوت فقد مضت عليه سنوات وهو يطرق بابًا من أبواب المجهول ثم يوصده أو يولي عنه إلى غيره، أو هو يشك لسبب ثمَّ يشك لسبب آخر، ثمَّ يوازن بين الأسباب، حتّى انتهى به المطاف إلى الكنيسة الكاثوليكية الإنجليزية، إيثارًا للاعتقاد في الجماعة، وإيمانا بواجب كل فردٍ أن يتصل ولا ينفصل في مسائل الديانة حيثما استطاع. (يُنظر: محمود العقاد، عقائد المفكرين، ص 91).

288