مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٢٩٧المبحث السادس: الإلحاد: طرائق وحزائِقُ
فالملاحدة عندما يُنظرون لأنفسهم تجدهم ينقسمون إلى أحد هذين القسمين، لكنهم في التطبيق والممارسة الميدانية قلما يلتزمون بما نظروا له، فتراهم يُروجون لإلحادهم ويتطرفون فيه، في لعبة مكشوفة من تبادل الأدوار وتقمص الشَّخصيَّات!! والإلحاد لا يقف عند حدود هذين التَّقسيمين العائمين بل يتعداها بمراحل؛ ففيما تبقى له من تقسيماتٍ - وهي كثيرة - سنجد أنَّ التضارب في المبادئ والمفاهيم وارد بين كل قسم من تلك الأقسام)؛ حيث ينال كُلُّ قسم منها اسم (الطَّريقة) أو (الحَزيقة) عن جدارة واستحقاق؛ ولذلك جاء عنوان هذا المبحث باسم: (الإلحاد: طرائق وحزائق)؛ لتُجلّي للقارئ الكريم حقيقةَ التَّشْتُتِ والتَّموج الذي يعيشه المنضوون تحت راية الإلحاد، وعدم الانخداع بزخارف القول وبهارجه الموحية بالانسجام والتكاتف ووحدة المبادئ!
وعند التطرق إلى طرائق الإلحاد وحزائقه نستطيع أن نُفرّق بين عدة مصطلحات إلحاديَّة ذائعة الصيت (3)، وهي تُمثْلُ منهجًا (إلحاديًّا) مستقلا ومنفصلاً عن نظيراتها، ولكن تبقى وصمة الإلحاد جامعة لها، وقد اقترحنا أن نُسيمها بـ (الطرائق والحزائق)؛ لأنَّ إعمال العقل والمنطق وترجيح كفَّةِ الواقع على التنظير يُرغمنا على ذلك، ويُمكن النظر إلى هذه الطرائق والحزائق الإلحادية من منظورين: الأول: المنظور المنهجي الفلسفي. والثَّاني: المنظور الفكري الأيديولوجي (3).
1 - وتتجسد حالة التناقض هذه في كثير من الموضوعات، ومن طريف التجسيدات ماكتبه الملحد فرانك شفر (Frank Scheffer) في كتابه المعنون why I am an atheist who believes in god? (لماذا أنا ملحد يؤمن بالله؟)!! 2 - تنبه هنا إلى نقطة مهمَّةٍ تخصُّ التَّقسيم الدارج أو التقسيم المشهور الذي يسير عليه أكثر الباحثين؛ فقد دَرَجَ كثير منهم على تقسيم مواقف الناس في قضيَّة (الأديان والآلهة إلى عدة أقسام من بينها: (الملحد) و (اللاأدري)، و (الاديني)، وهذا يستدعي
الانتباه والتفطن؛ فـ (اللاديني) ملحد، و (اللاأدري) ملحد! فعدم التَّنبيه قد يُوهم بأنَّ (اللاأدرية) و (الادينية) ليستا إلحادًا!! 3 - من بين التقسيمات التي تطال الإلحاد أيضًا: (الإلحاد النَّظري) و (الإلحاد العملي). فالإلحاد النظري يعني عدم الإيمان بوجود الله، والإلحاد العملي يعني التَّصرُّف كما لو أنَّ الله غير موجود. (ينظر: الموسوعة الفلسفية العربية، 87/ 1). ويظهر أنَّ هذا التقسيم - وما شابهه من التقسيمات الأخرى التي لم نذكرها - لا يعود إلى الإلحاد الموضوعي، بل إلى الإلحاد اللفظي وإسقاطاته التي تختلف حسب الزَّمان والمكان والمجتمع والدين والسياسة … إلخ.
297