مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٣٠مناجزة الإلحاد
الفرضيات. وهذا التوصيف في الحقيقة مجرَّد تلميع وتنميق لمفهوم الإلحاد، وليس توصيفا دقيقا له، أو بالأحرى هو توصيف لمفهوم العِلم التَّجريبي وآلية سير عمله، وليس تعريفا للإلحاد نفسه ويتضح من خلال أمثال هذه المحاولات ما قرَّرناه - سلفًا - من أنَّ الإلحاد مفهوم لا يمكن تعريفه إلا من خلال دراسة أهم ظواهره وأبرز سماته حاله كحال بقية المفاهيم الكبرى. يعترف أندريه لالاند في موسوعته الفلسفية بعدم إمكان تعريف الإلحاد إلا بالاحتكام إلى سلطة اللفظ؛ لأنَّ مضمون الإلحاد يتباين حسب ترابطه بمختلف التصورات الممكنة لله، ويرى الفيلسوف الفرنسي جون لاشلييه أنَّ المضمون الفلسفي لكلمة (الإلحاد) لا يتباين، بل ما يتباين هو الاستعمال التَّشويهي لها. ويُقرر بعضُ الباحثين بأنَّ لكلمة (الإلحاد) شقين: نظري وعملي. فالشق النظري يتجسَّد في أولئك الذين لا يشعرون بالحاجة إلى التمادي في طريق السببية، والذين لا يألفون التفاسير الاسترجاعيَّة إلا قليلا. بينما يتجسد الشق العملي في أولئك الذين يعيشون كما لو أنَّ الله لم يُوجَد. وفي السياق ذاته يؤكد أستاذ الفلسفة جيمس كولينز) بأنَّ الإلحاد من أكثر المصطلحات إفلانًا من التَّعريف؛ باعتبار دلالته النسبية). وقد أشار أيضًا دليل كامبردج (Cambridge) إلى أنَّ تعريف الإلحاد أمر مستصعب لا تنحلُّ أَرْبَتُه؛ لأنَّ الإلحاد قد تطوّر عبر العصور مواكبةً لتطور مفهوم (الإله) وما يُصاحبه من تصورات (3). كما أكدت الموسوعة الفلسفية العربيَّة أنَّ الإلحاد من أشد المفاهيم صعوبة؛ للاعتبارات نفسها التي أشار إليها أندريه لالاند ودليل كامبردج). وتجدر الإشارة إلى أنَّ العلاقة بين الإلحاد اللغوي والإلحاد الاصطلاحي هي مطلق الميل عن الحق وليس الميل عن الدين وحده فحسب؛ ذلك لأنَّ الميل عن الدين قد لا يتضمن إنكار الوجود الإلهي، فالإنسان قد يميل عن الدين دون أن يُنكر وجود الله، وقد يميل عن الدين دون أن يُنكر حقيقة الدين نفسها، بينما الميل عن الحق يتضمن الإنكار وغيره، فكلُّ مَن أنكر الدين أو وجود الله فقد مالَ عن الحق، لكن ليس كلُّ من مالَ عن الحق فقد أنكر الدين أو وجود الله. إذن؛ ما يُمكن أن يُقال بهذا الصدد هو أنَّ الإلحاد أصبح في الاستعمال الاصطلاحي الشائع
1 - يُنظر: موسوعة لالاند الفلسفية (1/ 107).
2 - يُنظر: جيمس كولينز، الله في الفلسفة الحديثة، ص 336. - يُنظر: باور أحمد حاجي، وهم الإله، ص 11.
4 - يُنظر: الموسوعة الفلسفية العربية، (1/ 87).
30