مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٣١المبحث الأول: ما هو الإلحاد؟
يُطلق على من أنكر وجود الله أو بمعنى أدق أصبح يُطلق على من آمن بعدم وجود الله. وهذا هو المتبادر إلى الذهن - حاليا - عند إطلاق مصطلح (الإلحاد)، بخلاف ما كانت عليه الحال في الماضي، أمَّا الإلحادُ كحُكم وتوصيف فهو يشمل إلى جانب ذلك (اللاأدرية) و (اللادينيَّة) و (الربوبيَّة)، فهذه الطرائق والحزائق من حيث الحكم والتوصيف (إلحاديَّة) وإن كانت من حيث الاصطلاح الشائع تَتَجَلبَبُ بهذه التسميات المستقلة وتتلفّعُ بها، وهذا - بدوره - يقدح زناد
أذهاننا للتفريق بين الإلحاد كتوصيف وحكم والإلحاد كمصطلح مخصوص شاع استعماله. ومما ينبغي إدراكه كذلك هو أنَّ الإلحاد تيار فكري ومذهب فلسفي، وهو - كما نراه - عقيدة من العقائد المطروحة على الساحة، فأما بخصوص قولنا بأنَّه تيار فكري ومذهب فلسفي فإنَّ هذا يقودنا لزاما إلى النظر في الأسس والأصول العامة التي قام عليها هذا التيار الفكري، وعدم الاكتفاء بنبش اللفظ وقالبه المعجمي، فاستجلاء الأسس العامة والقواطع البارزة - لأي تيار أو مذهب - عمليَّةٌ أكبر من مجرد الانكباب على تسميته أو تتبع جذرها اللغوي، وأما بخصوص قولنا بأنَّه عقيدة، فلأنَّ الملاحدة المعاصرين قد وضعوا له أصولا وأركانا لاحت لهم فيها غُرَّة اليقين، وانحسر عنها لثام شكّهم، فتراهم يُنافحون عنها ويُذودون عن حياضها، ويتخَطَّون من أجلها رقاب الموانع، ويركبون من أجل سوادِ عيونها المراقي الصعاب، بل تجدهم يُسفّهون من لم يلحق بركبهم، ناهيك عن أنَّهم لا يدَّخرون جهدًا في نشر عقيدتهم هذه!
لقد
سبق
أن
اعترض علينا أحد الملاحدة في قضيَّة (نشر الإلحاد والترويج له) جازمًا بأنَّ الملاحدة لا ينشرون إلحادهم كما يفعل المسلمون ذلك بالدعوة، والمسيحيون بالتبشير والتنصير، وإنَّما هم فقط يعرضون الحقيقة التي كانوا سباقين إليها، فحازوا ناصيتها، وامتلكوا أزمة قيادها، وكأنَّ الحقيقة حمى لم يطأه سواهم فقلنا له: وما الفرق بين النشر والعرض؟! أليس النشر والعرضُ وجهين لعملة واحدة؟! بل إنَّ هناك إصداراتٍ - مكتوبة ومرئية ومسموعة - تخص الأطفال؛ لتغرس فيهم المفاهيم والنزعات الإلحادية ونحن نرى حرصًا إلحاديا منقطع النظير على نشر الفكر الإلحادي بلغ درجة عالية تم فيها الاستعانة باللوحات الإعلانية! وليس ببعيد عنا تلك الحملة الإعلانية التي يخوضها ريتشارد دوكنز لزيادة الوعي العام بوجود الإلحاد والترويج له، بل إنَّ هناك جمعيَّاتٍ إلحاديَّة أرهفت غرار عزمها لنشر الإلحاد، وركبت سجيحة رأسها مروّجةً له لا عارضةً فحسب، ومن بين تلك الجمعيات:
31