مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٣٠٠مناجزة الإلحاد
موجودةً - على استحياء - منذ القدم، ويبدو أنَّ الصَّياغة المصطلحية الحديثة لهذه الكلمة جاءت على يد عالم الأحياء الإنجليزي الشهير توماس هاکسلي (Thomas Huxley) عام (1869 م)، فلم يكن هذا المصطلح مستخدمًا بشكل واسع ودقيق إلا بعد صياغة هاكسلي له، وأصبح يُطلق على كل من يُنكر المعرفة أو يعتقد بأمور لا سبيل توماس هاكسلي إلى معرفتها وصف (اللاأدري). ولا يستحق شرف الحصول على هذا الوصف إلا مَن وقَفَ موقفًا وسطا بين نزعة الشك ونزعة القطع دون
إنكار مواقف الآخرين، ودون إصرار على مواقفه والمثيرُ في الأمر هو أنَّ (اللاأدرية) - بغض النظر عن منطلقاتها المختلفة التي ذكرناها آنفًا - من حيث موقفها في قضيَّة (الإله) تتشفّى - منهجياً - إلى عدة شظايا:
- الإيمان بالإله - أو بقوَّةٍ غيبية - لكن دون أدنى معرفة له.
- عدم الإيمان بإله وعدم إمكان معرفته.
- عدم الاهتمام بقضيَّة الإله، فلا شيء يدعو إلى الاهتمام بها أو بحثها نفيًا أو إثباتًا. - تعليق الإيمان بوجود الإله إلى حين وجود الأدلة. وتسمى بـ (اللاأدرية المؤقتة).
- تعليق الإيمان بوجود الإله من عدمه مطلقًا وأبديًا. وتُسمى بـ (اللاأدريَّة الدائمة).
1 - ظهرت (اللاأدرية) في صورة (الشَّكيَّة) في الفلسفة اليونانية؛ إذ كان من رأي أرقاسيلاوس (315 - 241 ق. م) بأنَّه ليس هناك علاقة يُمكن تمييزها بين الإدراكات الصحيحة أو الباطلة، أما قارنيدس القوريني (213 - 128 ق. م) فقد طوَّر الهجوم على القطعية وأنهى قول الرواقية: "إنَّ الانطباعات الحسية أمر بديهي وعلينا قبوله. ورأى أنَّ المعرفة الصادقة مستحيلة، وأنَّ جميع أنواع المعارف ليست أكثر من تأكيد احتمالي. وقد جاءت (اللاأدريَّة) في الفلسفة اليونانية نتيجةً للسُّخط على الفوضى العقلية الناتجة من الصراع بين المذاهب القطعية، واكتسبت شكلها التقليدي عند (هيوم) و (كانت)، وقد حدَّد (كانت) قدرات الإنسان المعرفية وأكد أن معرفة الأشياء في ذاتها غير متاحة من حيث المبدأ، والمعرفة ممكنة فقط بالظاهر؛ أي بالطريقة التي تتكشف بها الأشياء في خبرتنا، والمعرفة النظرية متاحة فقط في الرياضيات والعلم الطَّبيعي، أمَّا (هيوم) فرأى أنَّ المعرفة لا تكمن في فهم الوجود بل في قدرتها على أن تكون دليلا للحياة العملية، والموضوع الوحيد الصالح للمعرفة هو الرياضيات، أما جميع الموضوعات الأخرى فإنَّها تتعلق بوقائع لا يُمكن البرهنة عليها منطقيا، وليست الوقائع سوى مجرى من الانطباعات أسبابها مجهولة وغير قابلة للمعرفة،
أما مشكلة وجود العالم الموضوعي أو عدم وجوده فإنَّها مشكلة مستعصية على الحل. (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية). 2 - عالم أحياء إنجليزي (1825 - (1895 م) له دور بارز في تأسيس منظمة (اليونسكو). يلقب بـ (كلب دارون)، لشدَّة دفاعه عن نظريَّة التَّطور، له عدَّة كُتب في عالم الحيوانات، لعل أشهرها كتاب (مرتبة الإنسان في الطبيعة).
300