مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٣١٨مناجزة الإلحاد
معالجة خاطفة
للوضعيّة المنطقية
ترمي الوضعية المنطقية إلى توحيد لغةِ العِلم بل وتوحيد العلوم بأسرها في قالب فلسفي علمي يحتويها، مع اصطناع مبادئ تقوم على استبعاد الميتافيزيقا والأديان وطردها من ساحة العلوم والحقائق، وهي بذلك تُضيّق الخناق على أنفاسها، وتحصر نفسها في زاويةٍ حادةٍ وحرجةٍ ستكلفها أثمانًاً باهظةً لتبقى على قيد الحياة - إن كُتب لها الاستمرار بطبيعة الحال - فليس من معيار ينبغي اللجوء إليه في العلوم والمعارف إلا معيار واحد وهو (قابليَّة التَّحقق). فالقضايا متوقفة على طريقة تحققها، والتَّحقُّقُ لا يكون إلا بالمنهج التَّجريبي المباشر وغير المباشر، دون أن تلقي هذه الفلسفة بالا لاختلاف نوعية العلوم ودرجتها.
كان الوضعيون المنطقيون مقتنعين أشدَّ الاقتناع بصواب مسلكهم الفلسفي، بل كانوا - زيادةً على ذلك - متعصبين وطائفيين؛ إذ كانوا يضعون المخالفين لهم بين فكي كماشة، ويُرغمونهم على الانتماء المطلق إليهم، أو تلقي المعارَضةَ الصَّروسَ الشَّرِسة. وقد خالوا أنفسهم لوهلة بأنَّهم امتلكوا سلاحًا ناجزا ضدَّ كل المدارس التي لا تتفق معهم، لكنهم وجدوا أنفسهم يساقطون متعثرين بشظايا المشكلات الفلسفية التقليدية في نظرية المعرفة، فاضطروا إلى التسامح والهبوط بضع درجاتٍ من سُلَّمِ الزَّهْوِ والتَّعترف المعرفي.
جادل ديفيد هيوم في كتابه (بحث في الفهم الإنساني عن هذه الفلسفة؛ إذ زعم بأنَّنا إنْ تناولنا بأيدينا أي مجلد في اللاهوت أو في مدارس الميتافيزيقا المختلفة؛ يجب ساعتها أن نسأل أنفسنا: هل يشمل هذا المجلدُ على أي تفكير مجرَّدٍ يتعلق بالكم أو بالعدد؟! (لا). هل يشمل على أي تفكير تجريبي يتعلق بحقائق الواقع والوجود؟! (لا). إذن؛ ألقه في النَّار)! عالج كثير من العلماء الفلسفة الوضعية المنطقية، وألفوا الكثير من الكتب التي وجهت
لقد
1 - للتوسع يُنظر: إ. م. بوشنسكي، الفلسفة المعاصرة في أوروبا، ص (81 - 90). 2 - عقب ديفيد بيرلنسكي على كلام ديفيد هيوم هذا قائلًا: "إنَّ حُججًا كهذه حين تُطبق على ذواتها تعود على نفسها بالإبطال؛ إذ إنَّ تقريرات هيوم لا تشمل هي بدورها على (تفكير مجردٍ يتعلق بالكم أو العدد)، ولا (تفكير تجريبي: يتعلق بحقائق الواقع والوجود)، لقد قيلت لتأخذ على علاتها فقط، وهذا جمع بين التَّكبر والسَّذاجة". (يُنظر: ديفيد بيرلنسكي، وهم الشيطان، ص 90).
318