مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٣١٩المبحث السابع: فلسفة الإلحاد
لها لكماتٍ وصفعاتٍ مُوجِعةٍ مُبرِحة، بل إنَّ أشهر علماء الوضعية المنطقية وهو السير ألفريد آير لما اعترض على الوضعية المنطقية بوجود أشياء يمكن أن تكون صادقةً أو كاذبةً - كوجود أناسيً على الجانب غير المرئي من القمر - قام بإجراء تعديل عاجل على مبدأ التحقق فيها، فأدخل قابلية التصديق والتكذيب نظريًّا بعد أن كانت محصورةً قبل ذلك في النطاق العملي فقط! هذا؛ ولعل الطعونات التي سددها الفيلسوفان برتراند راسل وكارل بوبر إلى الوضعية المنطقية كانت كفيلة بإسقاط سقفِ هذه الفلسفة على رؤوس مهندسيها، ومن بين تلك الطعونات ما يقلب الطاولة على الفلسفة الوضعيّة المنطقية بالمنطق ذاته الذي تتبناه، وباستخدام أدواتها ومناهجها! فإذا كان الوضعيون المنطقيون يعتقدون بأنَّ كلَّ القضايا التي لا تكون (تحليلية) ولا (تركيبية) وليست قابلة للتحقيق أو التَّزييف التَّجريبي هي قضايا فارغة لا معنى لها؛ فإنَّ هذه الفكرة نفسها ليست (تحليليَّة) ولا (تركيبيَّة)، وليس لها ما تستند إليه في العالم الخارجي، مما أنَّها فلسفة فارغةٌ لا أهميَّة لها بالمنطق نفسه عند التحاكم إليه! ومع أنَّ هذا الطعن لوحده كفيل بإخراس (الوضعية المنطقيَّة) إلى الأبد فإنَّ هناك جملةً من الطعونات الأخرى التي تعرضت لها، فليست كلُّ المعارف البشرية تكتسب عن طريق اللحظ والتجربة فقط، فالعلوم والمعارف الإنسانية جمعاء كالتاريخ والفلسفة والآداب ونحوها لا تخضع لمناهج اللحظ والتجريب الطبيعي، كما أنَّ منهج العلوم الطبيعية نفسه قائم على الاستقراء، والاستقراء يقوم على السَّببيَّة، والسَّبيَّة لا تُنال بالتَّجربة العلميَّة؛ لأنَّها - أي السببية - سابقةً على التجربة العِلميَّة والتَّجربة العِلميَّة مُفتقِرةٌ إلى السَّببيَّة، بل إنَّ تقريرنا افتقارها - أي التجربة العلمية - إلى السَّببية هو عائد إلى قانون السَّببيَّة ذاته يقول أينشتاين مشيرًا إلى أنَّ هناك مصادرات على التَّجربة العلمية نفسها: "إنَّنا نبدأ دائمًا ببعض عقائد أساسية حتّى في البحث العلمي ومنها السببية … ). ويقول ماكس بورن: "إنَّ قانون السببية مجرد فرض، لكنَّه أساسي نعتبره قاعدة لكل الفروض العلمية (2).
يعني
يصرح أليستر راي منتقدا الوضعيّة المنطقيَّة: "إنَّ للوضعية تأثيرًا مُفيدًا غالبًا على تفكيرنا، وهي تقطع أو تُحدّد تلك الغابة من الأفكار والاستطرادات التي قد نَدخُلُ - أو قد أدخل أنا - فيها أحيانًا، ولكننا إذا تمادينا في الوضعية فقد يقودنا ذلك إلى أن تكون هناك عبارات واضحة
1 - حسين علي حسن، الأسس الميتافيزيقية للعلم، ص 24.
2 - المرجع السابق، ص 24.
319