مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٣٢٠

مناجزة الإلحاد

الأمثلة

القبول ولها معنى واضح وتظل تحت خطر الرفض كما لو كانت عديمة المعنى، ومن على ذلك أنَّ أيَّ إشارة إلى الماضي كأن نقول: "إنَّ يوليوس قيصر زار بريطانيا سنة (55) قبل

الميلاد ..... فلا سبيل إلى التَّحقق من صحة هذه العبارات مباشرةً بما أننا نعجز عن السفر إلى الماضي لنرى ذلك أثناء حدوثه، ولكن أي قارئ للتَّاريخ سيعلم أنَّ هاتين العبارتين حقيقتان ولهما معنى ما بالتأكيد أو ماذا لو أردنا أن نقول عبارةً ما عن المستقبل مثل: "إنَّ الكون سيستمر في وجوده بعد وفاتي“. لا سبيل لدي لأن أتأكد مباشرةً من هذه العبارة، ولكنني أعتقدُ جازمًا بأنها عبارة صحيحة وذات معنى (1).

(1)

وفي كتابه الماتع (فلسفتنا) يُسدِّدُ الفيلسوف الكبير محمد باقر الصدر أسلات تقوداته ليغرسها في قلب الوضعية قائلا: "فإن كانت الوضعيَّةُ تُلغي كل قضية ما لم يكن مدلولها معطى حسيًّا وظرفًا واقعيا يخضع للتّجربة فهي بذلك لا تُسقط القضايا الفلسفية فحسب، بل تشجب أيضًا أكثر القضايا العلميَّة التي لا تُعبّر عن معطى حسي كقانون الجاذبية، فنحن نحس بسقوط القلم على الطاولة ولا نحس بجاذبية الأرض، فسقوط القلم معطى حسي مرتبط بالمضمون العلمي لقانون الجاذبية، وليس للقانون عطاء حسي مباشر، وأما إذا اكتفت الوضعية بالمعطى غير المباشر فالقضايا الفلسفية لها معطيات حسيَّةً غير مباشرة كعدة من القضايا العلمية تماما … خذوا مثالا: (وجود علَّةٍ أُولى للعالم) فإنَّ محتوى هذه القضية وإن لم يكن له عطاء حسي مباشر غير أنَّ الفيلسوف يُمكنه أن يصل إليه عن طريق المعطيات الحسية التي لا يُمكن تفسيرها عقليًّا إلا عن طريق العِلَّةِ الأُولى (2).

الحسي.

(2)،

ولقد أدخَلتِ (الوضعية المنطقيَّة) نفسها في أمرٍ مريج؛ جعل أسس بنيتها محتوشة بالخلل من كل جانب فبينما نجدها مقرّرة أنْ لا اعتماد لديها إلا على التجربة والخبرة، نجدها معتمدةً في استدلالاتها على (الرياضيات) بالرغم من أنَّ الرياضيات ليست علمًا تجريبيا ولا طبيعيًّا، وإنَّما هي علم منطقي بحت، ولما كانت الاستدلالات الرياضية لا تكذب - على اعتبار أنها أقوى أنواع الاستدلال والبرهنة كما أنَّ الاحتكام إليها يبدو ضرورةً مُلحةً - فإِنَّ الرياضيات من هذا الوجه تُمثْلُ ضربةً باضعةً لظهر الوضعية المنطقية! فالاستدلال بها هو استدلال منطقي

لا تجريبي، واعتماد الوضعية على الرياضيات لا مبرر له بناءً على لوازم منهجها!

1 - أليستر راي، فيزياء الكوانتم حقيقة أم خيال، ص 253.

2 - محمد باقر الصدر، فلسفتنا، ص 115.

320