مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٣٢١المبحث السابع: فلسفة الإلحاد
في كتابه (فلسفة العلم يؤكد أليكس روزنبرغ وجود صدوع بالغة على الطرقات المنارة بأعمدة الرياضيات إذا ما سارت عليها الفلسفة الوضعية المنطقية! يقول روزنبرغ: "والمعرفة الرياضية ذات طبيعةٍ إشكالية بالنسبة للتجريبيَّة؛ نظرًا لما تتسم به الحقائق الرياضية من ضرورة واضحة، وكما سنرى فيما بعد - مرةً أخرى - فإنَّ التَّجريبية معادية لمفهوم الضرورة، وحيث إنَّ الخبرة لا يمكنها أن تُبيّن أبدًا أنَّ قضيَّةً معينةً صادقة بالضرورة فإنَّ الوضعيين يتوقون إلى تطهير العلم والفلسفة من هذه الكلمة ومن كل ما يُمكن أن تُشير إليه، لكن إذا كانت الحقائق الرياضية فيما نعرفه بشكل لا يُمكن إنكاره، إذا كانت حقائق مُسلَّمًا بأنَّها ضروريَّةٌ فليس في إمكان التَّجريبية أن تُبرّر المعرفة الرياضية، وإذا لم يكن من الممكن تأسيس المعرفة الرياضية على الخبرة فربما تكون هناك دعاوى معرفية أخرى لا تحتاج أن تُصادق عليها الخبرة … ). ثم بجانب ذلك فإنَّ الرياضيات ليست من قبيل التحليل المحض أو من قبيل تحصيل الحاصل؛ ذلك لأنها تعتمد في حقيقتها على مبدأ فطري وهو مبدأ عدم التناقض، فعندما نقول: إِنَّ (211). فهذا يعني بأنَّ الاثنين هي الاثنين ولا يمكن أن تكون شيئًا آخر؛ وهو ما يُعرف بمبدأ (الهوية)، والذي يستند في حقيقته إلى مبدأ عدم التناقض، ولما كان الأمر كذلك فإنَّ الرياضيات لا تقوم لها قائمة إلا على أساس مبدأ عدم التناقض، وهذا المبدأ لا يمكن تبريره بالنسبة إلى الوضعيّة المنطقيَّة باعتبار أنَّها تُنكر كلَّ المعارف العقلية خلا المعارف المستمدة من التَّجربة، وهنا ينقدح السُّؤال: إذا كانت القضايا الرياضية كالقضايا الطبيعية من حيث
اعتمادها على التَّجربة فلماذا كانت القضايا الرياضيَّة يقينيَّةً بخلاف القضايا الطبيعية (2)؟! ويُمكن أن نُسدّدَ ضربةً أخرى - ومن زاوية مماثلة - لأمثال هذه الفلسفة، وذلك بالقول بأنَّ مبدأ عدم قابلية الشَّيء للتحقق وأنَّه المعيار المحدّد للمعنى الفارغ هو مبدأ عقلي فلسفي مأخوذ من مبدأ التعميم العقلي؛ لأنَّ التَّجربة لا تكون إلا في الأشياء الخاضعة للحس، وتُوجد العديد من الأشياء التي تخضع للحس في حقيقتها لكنها غير محسوسة بعد ولما تكتشف، وبموجب حكمكم العقلي الفلسفي السابق فإنَّ تلك الأشياء لا معنى لها في وقت حكمكم، فيصبحُ معياركم معيارًا نسبيًّا ومتحولاً ومتناقضا. ويُمكن كذلك توجيه ضربة أخرى لهذه
1 - أليكس روزنبرغ، فلسفة العلم، ص 51.
2 - يُنظر: علي حسن الهاشمي، فلسفتنا الميسرة، ص (47 - 48).
321